إن إريد الإصلاح إلا ما استطعت _ تأملات في أحوال الأمة و العالم

آخر

الثورة الروسية 1917 من وراءها ؟

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله

الثورة الروسية ١٩١٧

الحوادث التي سبقت الثورة الروسية:

هزت حملة نابليون عام ١٨١٢ روسيا هزة عنيفة، تاركة إياها مثخنة بالجراح.. فأخذ القيصر
ألكسندر الأول علي عاتقه إعادة تنظيم بلاده، وأصدر عددا من القوانين ألغت الأحكام الزجرية
التي كانت مطبقة علي اليهود منذ عام ١٧٧٢ ، والتي كانت تحدد إقامتهم في أمكنة معينة..
وبذل القيصر جهدا لحمل اليهود علي العمل في الزراعة وغيرها، وتشجيعهم علي الامتزاج
الكامل بالمجتمع الروسي.
عام ١٨٥٢ مات ألكسندر الأوّل، فخلفه علي العرش نيقولا الأول، فلم ينظر بعين الرضا إلي
التغلغل السريع لليهود في الاقتصاد الروسي، ولم ترتح حكومته إلي الإصرار الذي أبداه اليهود
للحفاظ علي تراثهم ولغتهم الخاصين وزيهم المميّز.
وهكذا، وفي محاولة منه لإذابة العنصر اليهوديّ في المجتمع الروسيّ، أصدر نيقولا الأول
عام ١٨٣٤ ، قوانين تجبرُ اليهود علي إرسال أولادهم إلي المدارس الحكومية، وذلك لمحو
معاناة الاضطهاد الديني التي كانوا يشربون إياها في الطفولة.
غير أن النتيجة جاءت عكس المتوقع، لآن التعليم أصبح إلزاميا لأطفال اليهود، ولم يكن كذلك
بالنسبة لأطفال الروس من غير اليهود، مما أدّي إلي جعل اليهود الفئة الأكثر ثقافة في روسيا!
وارتقي عرش روسيا القيصر ألكسندر الثاني عام ١٨٥٥ ، وكان هو الذي وصفه بنجامين
دزرائيلي ب “أكثر أمراء روسيا تسامحا”.. وقد كرس ألكسندر حياته لتحسين الأوضاع
الحياتية للفلاحين والطبقات الكادحة واليهود.. وقد حرّر في عام ٢٣,٠٠٠,٠٠٠ ١٨٦١ عبد..
وقد كانوا عبيدا بكل ما في هذه الكلمة من معني، وكانت عمليات بيع الأراضي وشرائها
تشملهم، فيباعون من سيد إلي سيد.
ودخل العديد من اليهود، الجامعات، ولكنهم بعد التخرج كانوا يواجهون مصاعب وعقبات
قاسية.. ولإزالة هذا الإجحاف، أصدر القيصر أوامره بقبول هؤلاء اليهود في المناصب
، الحكومية، والسماح لهم بالسكن أينما شاءوا في الأراضي الروسية.. وما إن حل عام ١٨٧٩
حتى كان من اليهود أطباء وممرضون وأطباء أسنان ورجال أعمال ومهن، وكان يسمح لهم
بالعمل والسكن في أي مكان من روسيا.
ولكن القادة اليهود لحركة الثورة العالمية، كانوا مصممين علي الاستمرار في التحضير للثورة
في العالم.. وكانت جماعاتهم الإرهابية ترتكب المجزرة تلو الأخرى، وعملوا علي كسب تأييد
الرافضين من المثقفين في روسيا، وعلي زرع فكرة التمرد والثورة في عقول الجماهير
العاملة.. وقاموا بأول محاولة لاغتيال القيصر الكسندر الثاني عام ١٨٦٦ .. ونجا القيصر من
، محاولتين لقتله بأعجوبة.. وتمكن المتآمرون أخيرا في المحاولة الثالثة من اغتياله عام ١٨٨١
في بيت يهودية تدعي هسيا هلفمان.
وبينما كانت القوات الثورية تحرج الحكومة الروسية في الداخل بكل الوسائل الممكنة، بإثارة
المشاغبات والقيام بالاغتيالات السياسية، كانت القوي الخفية من مراكزها في إنكلترا وسويسرا
والولايات المتحدة تحاول من جهتها توريط روسيا في حرب مع بريطانيا، ففي مثل هذه
الحرب لن تستطيع أي من الإمبراطوريتين إحراز أي مكاسب تذكر.. وتكون النتيجة لمثل هذه
الحرب إضعاف كلا البلدين ماديا، وتركهما فريسة سهلة للأعمال الثورية التالية.
في عدد تشرين الأولي ١٨٨١ من مجلة القرن التاسع عشر، كتب البروفيسور غولدوين سميث
أستاذ التاريخ الحديث في جامعة أركسفورد يقول: “عندما كنت في إنكلترا لآخر مرة، كنا علي
حافة الحرب مع روسيا.. وكان مقدرا لهذه الحرب أن تورط الإمبراطورية بأكملها.. وكانت
المصالح اليهودية في أوروبا، وأداتها الرئيسية صحافة فيينا، تسعي بكل جهدها لدفعنا إلي
المعركة”.
كانت حادثة اغتيال “البابا الصغير” للروس (قيصر روسيا) السبب في موجة واسعة من
الغضب، فجّرت أعمال العنف ضد السكان اليهود في العديد من الأراضي الروسية.. ومررت
الحكومة الروسية “قوانين أيار” القاسية إرضاء لوجهات نظر الرسميين الروس الكبار، الذين
قالوا: “إذا كانت سياسة التسامح التي اتبعها ألكسندر الثاني لم تكن كافية لإرضاء اليهود
ومصالحتهم، فلن يرضيهم شيء بعد الآن إلا أن يبسطوا سيطرتهم المطلقة علي روسيا”..
وهكذا وللمرة الثانية راح الشعب اليهودي بأسره ضحية الجرائم التي يرتكبها الذين نصبوا
أنفسهم زعماء له.
في الثالث والعشرين من أيار عام ١٨٨٢ ، طلب وفد يهودي برئاسة البارون جينزبيرغ مقابلة
القيصر ألكسندر الثالث للاحتجاج علي القوانين المذكورة.. ووعد القيصر بإجراء تحقيق شامل
في القضية بأجمعها، وخاصة فيما يتعلق بالأزمة بين اليهود وغير اليهود من سكان
الإمبراطورية الروسية.. وفي الثالث من أيلول أصدر البيان الآتي: “منذ مدة والحكومة تولي
بالغ العناية لليهود ومشاكلهم، مع الانتباه للأوضاع المحزنة للسكان المسيحيين الناشئة عن
الطرق التي يستعملها اليهود في قضايا العمل والمال.. خلال العشرين سنة الماضية لم يكتف
اليهود بالسيطرة علي كل التجارات والأعمال بفروعها، بل سيطروا أيضا علي أجزاء كبيرة
من الأراضي، إما بشرائه أو بزراعتها.. وباستثناء القليل، كرس اليهود جهودهم كمجموع،
ليس لإثراء الدولة ولفائدتها، بل لخداع الشعب الروسيّ بحيلهم الملتوية.. وقد قاسي الفقراء
بنوع خاص من هذا، فتصاعدت الاحتجاجات من الرعايا، وتجلي ذلك في أعمال العنف التي
قام بها الشعب ضد اليهود.. وقد سعت الحكومة لتخليص اليهود من الاضطهاد والمذابح، لكن
لا يسعها تحت ضغط ملح إلا أن تتبني القوانين القاسية، لتخليص الشعب من اضطهاد اليهود
وأعمالهم الشريرة”.
إن إقرار قوانين أيار لم يكن فقط انتقاما لمقتل القيصر ألكسندر الثاني، وإنما كان نتيجة
للتحذيرات المتوالية التي وجهها الاقتصاديون الروس للحكومة، بهدف الحد من النشاطات
المالية غير المشروعة التي يمارسها اليهود، والتي تهدد الاقتصاد الروسي بالخراب، مع أنهم
لا يشكلون سوي نسبة ٤,٢ % من سكان الإمبراطورية.
***
كان اليهوديّ الألماني تيودور هيرتزل يبث الشكوك عند اليهود، عندما يقوم بإعلامهم عن
سياسة كارل ريتر اللاسامية، وكيف أّنها تنتشر بسرعة بين الشعب الألماني.. واقترح
Jewish Back to ” هيرتتزل إقامة منظمة يهودية تدعى “حركة العودة إلي إسرائيل
باسم المحافظين من اليهود.. وكانت تلك بداية الحركة Israel Movement
الصهيونية.
***
بعدما أصدر القيصر ألكسندر الثالث حكمه بلوم اليهود، وإلقاء المسؤولية علي عاتقهم في حالة
الفوضى والخراب الاقتصادي في الإمبراطورية، قامت قيادات الحركة الثورية بإنشاء “الحزب
الاشتراكي الثوري”.. وعهد بتنظيم هذا الحزب إلي رجل قاس لا يعرف الرحمة أسمه
جيرشوني.. وكان تنظيم “القطاعات المقاتلة” من نصيب خياط يدعي يفنوا أرنف.. وشدد قواد
الحركة الثورية علي ضرورة استجلاب غير اليهود إليها.
وبالإضافة إلي التسبب بالاضطرابات العمالية وخلق الأوضاع السيئة بين طبقات المجتمع
الروسي، كانت الأحزاب الثورية فيما بين ١٩٠٠ و ١٩٠٦ تثير المتاعب الدينية، حتى
أوصلتها إلي درجة الغليان.. وكانت القمة التي وصلت إليها تلك المتاعب حوادث القتل
. والاغتيال بالجملة.. وحدث الانفجار بشكل ثورة عام ١٩٠٥
كان من الشخصيات الرسمية الذين قام باغتيالهم قسم الإرهاب في الحزب الثوري،
بوغوليبوف وزير التربية عام ١٩٠١ .. وجاءت هذا الحادث تسجيلا لغضب اليهود علي
السياسة التربوية التي تضمنتها قوانين أيار، فقد حددت عدد اليهود الذي يسمح لهم بالانتساب
إلي مدارس الدولة وجامعاتها، بنسبة لا تزيد علي نسبة السكان اليهود إلي تعداد الشعب
الروسيّ كله.
وفي العام التالي ” ١٩٠٢ ” اغتيل وزير الداخلية سيباغين، تأكيدا لغضب اليهود علي سياسة
قوانين أيار، والتي قضت بمنع اليهود من السكن خارج أحيائهم ومجمعاتهم الخاصة.
عام ١٩٠٣ اغتيل بوغدانوفيتش حاكم يوفا.. وفي عام ١٩٠٤ قتل رئيس الوزراء فيشيليف
فون بيلف.. وعام ١٩٠٥ انفجرت أول ثورة عامة في روسيا، واغتيل خال القيصر الدوق
سرجيوس في ١٧ شباط.. وفي كانون الأول ١٩٠٥ اضطهد الجنرال دوبراسو الثوريين،
. ولكنهم اغتالوه في العام ١٩٠٦
بعدما ألقي القيصر اللوم علي عاتق اليهود واتهمهم بالتسبب بالحالة المتردية في روسيا، تلقي
البارون جينزبيرغ تعليمات بالعمل علي تفتيت الإمبراطورية الروسية.. وكان من ضمن
الخطة خلق الفوضى والاضطراب بين صفوف الجيش الروسي في الشرق الأقصى، عن
طريق تدمير خطوط المواصلات في سيبيريا.. وقد أدي ذلك إلي إيقاف الإمدادات والمعونات
عن الجيش البري والبحرية الروسية.
ومن طرف أخر، أمر أحد ضباط البحرية الروس سفنه، بإطلاق النار علي أسطول من سفن
الصيد البريطانية التي كانت في بحر الشمال.. وكان رد الفعل الشعبي في بريطانيا عنيفا..
وقد تطوع بعد هذه الحادثة عدد كبير من ضباط البحرية البريطانية ومن ملاحي السفن
التجربة البريطانية لتقديم خدماتهم لليابان.
بخلاف أنّ أصحاب المصارف العالميين فرضوا عقوبات اقتصادية علي الإمبراطورية
الروسية، وأوصلوها حتى الإفلاس تقريبا.. وضربوا حظرا علي التجارة والمبادلات
الروسية.. وعام ١٩٠٤ وبعد توريط روسيا في الحرب مع اليابان، نكثت مؤسسة روتشيلد
بوعودها، ورفضت إمداد روسيا بالمساعدات المالية، بينما قامت شركة كوهن  لوب
وشركائهما في نيويورك بإمداد اليابان بكل القروض التي طلبتها.
جاء في الموسوعة البريطانية طبعة عام ١٩٤٧ في المجلد الثاني الصفحة ٧٦ ما يلي: “وكان
الوزير الروسي يسعي بكل جهده للحصول علي المال.. ودخلت الحكومة الروسية في
مفاوضات مع دار روتشيلد للحصول علي قرض كبير.. ووقع الطرفان اتفاقا مبدئيا، إلا أن
دار روتشيلد أبلغت وزير المال الروسي أنه ما لم تتوقف أعمال الاضطهاد ضد اليهود، فإن
الدار ستتكون مضطرة للانسحاب من العقد.. وقد كانت الحاجة الملحة للخزينة الروسية واحدة
من الأسباب التي دفعت للتحالف الفرنسي الروسي، تماما كما كان إنهاء معاهدة بسمارك
للحياد المشترك”.
وكانت مؤسسة يعقوب شيف في نيويورك منذ العام ١٨٩٧ تموّل حركات الإرهابيين في
روسيا.. وعام ١٩٠٤ ساعد في تمويل الثورة التي نشبت في العام التالي. وكما ساعد في
تنظيم حملة عالمية لتمويل ثورة سنة ١٩١٧ التي أعطته وشركاءه أول فرصة لوضع
نظرياتهم الديكتاتورية موضع التنفيذ.

لينين:

اشترك ألكسندر أوليانوف في المؤامرة التي هدفت إلي اغتيال القيصر ألكسندر الثالث.. وقد
فشلت تلك المحاولة، وقبض علي ألكسندر أوليانوف وحوكم وحكم عليه بالموت.. وكان هذا
هو السبب في أن أخاه فلاديميير نذر نفسه للقضية الثورية، ولمع نجمه وترقي في القسوة
والسلطان، حتى أصبح رئيسا للحزب البلشفي، واتخذ لنفسه اسم “لينين”.. وقد أصبح فيما بعد
الحاكم المطلق الأول لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية.
تلقي لينين ثقافة جامعية.. وقام الطلاب اليهود بإقناعه أنه قد آن الأوان لقلب الطبقة الحاكمة
لكي تباشر الجماهير حكم نفسها بنفسها.
ولمع نجم لينين كواحد من المثقفين المفكرين، وارتبط بقادة الحزب الثوري حين كان في أوائل
العقد الثالث من عمره.. وفي العام ١٨٩٥ سافر لينين إلي سويسرا  وكان عمره ٢٥ سنة
لملاقاة بليخانوف، الذي فر من روسيا.
وفي سويسرا انضم لينين وبليخانوف، الذين كانا من غير اليهود، إلي فيرازاسوليتش و ب.
أكسلرود ويوليوس تسديرباوم، وكانوا كلهم من اليهود، وألفوا جمعية ماركسية على نطاق
عالميّ، أسموها “جماعة تحرير العمال”.
***
أقنعت المحاولة الثورية المجهضة عام ١٩٠٥ لينين، بأن الطريق الوحيد للقيام بثورة ناجحة،
هو تنظيم لجنة دولية تتولى الإعداد لتنفيذ الخطة التي يتفق عليها.. وهكذا أوجد لينين
الكومنترن، وهي اللجنة المركزية الدولية للتخطيط الثوري.
***
بعد ما قرّ رأي لينين حول سياسته الخاصة، عاد إلي روسيا مع مارتوف لتنظيم حملة التمويل،
التي تألفت من عمليات الابتزاز وسرقات المصارف وغيرها من الأعمال غير المشروعة..
واحتج لينين لذلك بأنه من المنطقي أن يأخذ أموال الناس الذين يخطط لقلب حكومتهم…
وأصر لينين علي أن يكون من برامج التدريب للمبتدئين في الحزب عمليات سرقات
المصارف ونسف مخافر الشرطة وتصفية الخونة والجواسيس.
والحقيقة أن القادة القلائل الأول للشيوعية كانوا ينتمون إلي طبقة العمال.. وكان معظمهم من
المثقفين ثقافة حسنة.. وفي عام ١٨٩٥ تسببوا بسلسلة من الاضطرابات، تحوّل بعضها إلي
أعمال شغب.. وهكذا أوجدوا واحدا من الأصول الأساسية في التخطيط الثوري “تطوير
الحوادث الصغيرة حتى تصبح أعمال شغب، والتسبب في إحداث مواجهة فعلية مباشرة بين
الشعب والشرطة”.
***
ألقي القبض علي لينين ومارتوف وعدد آخر من الثوريين وأرسلوا إلي السجن، وأنهي لينين
سجنه عام ١٨٩٧ .. وهكذا أخذ لينين معه زوجته اليهودية الشابة وأمها، وذهبوا جميعا إلي
المنفي.. وخلال فترة المنفى، اتفق لينين ومارتوف وبوتريسوف علي أن ينشئوا صحيفة بعد
منفاهم، تكون جامعة لشتات المفكرين والطاقات العقلية في القوي الثورية، التي كانت ما تزال
منقسمة إلي أحزاب عديدة.
ومعناها Iskra ” وبعد أن أنهي لينين فترة الحكم بالنفي في شباط ١٩٠٠ ، وأنشأ “الابسكرا
الشرارة.. وكانت زوجة لينين سكرتيره مجلس تحريرها.. ولمدة من الزمن كانت تتم طباعة
الجريدة في ميونخ بألمانيا، وكانت نسخ الجريدة تهرب إلي روسيا وغيرها من البلدان بواسطة
الشبكة السرية التابعة لماسونيي الشرق الأكبر.
ودعت الصحيفة إلي إنشاء مؤتمر لتوحيد الجماعات الماركسية المختلفة، يكون مركزه في
بروكسل عام ١٩٠٣ .. وتتمثل في هذا المؤتمر الديموقراطيون الاشتراكيون من روسيا،
والديموقراطيون الاشتراكيون البولنديون التابعون لروزا لوكسمبورغ وجماعة تحرير العمل
وجماعة “الماكسيماليين”.. ولكن الشرطة البلجيكية اتخذت إجراءات مضادة، مما دفع الأعضاء
للتحرك إلي لندن.. ولهذا المؤتمر أهمية تاريخية، فخلاله حدث الانشقاق العقائدي بين الكتاب
الذين يكتبون في “الشرارة”، وأصبح لينين زعيما لمجموعة البولشفيك الذين كانوا يشكلون
الأكثرية، وأصبح مارتوف زعيما لمجموعة المنشفيك وكانوا الأقلية.
وقد قام المنشفيك بثورتهم عام ١٩٠٥ في روسيا، بعد أحداث الأحد الدامي، الذي ألقي اللوم
فيها علي القيصر.. ولكن الذين تحروا الحقائق وجدوا دلائل كافية علي أن الحادث كان
مخططا له، ومنفذا من قبل الجماعات الإرهابية، بهدف إثارة الغضب والحقد ضد القيصر بين
جموع العمال غير اليهود.. وقد مكنت تلك الحادثة زعماء الحركة الثورية من الاعتماد علي
الألوف من الرجال والنساء من غير اليهود، الذين كانوا حتى ذلك اليوم الحزين يدينون بالولاء
للقيصر ويدعونه “الأب الصغير”.
***
في الثاني من كانون الثاني قامت بعض الاضطرابات العمالية في معامل بوتيلوف الضخمة في
بطرسبرج، ودعي للإضراب العام.. ولكن الأب جابون، قال إنه سيحل المشاكل المعلقة
بالتحدث مباشرة مع القيصر.. وفي يوم الأحد ٢٢ كانون الثاني نظم الأب جابون مسيرة سليمة
كبيرة، اشترك فيها الألوف من العمال مصحوبين بنسائهم وأطفالهم.. واتجهت المسيرة إلي
أبواب القصر.. وبحسب التقارير الصحيحة كانت المسيرة منظمة ومنضبطة تماما.. وكان
المشتركون فيها يحملون لافتات كتب عليها عبارات الولاء للقيصر.. وعلي أبواب القصر،
وبدون أدني إنذار، انهالت زخات الرصاص من البنادق والرشاشات حاصدة العمال، وناشرة
الفوضى في المسيرة.. وذبح المئات من العمال مع عائلاتهم، وتحولت الساحة أمام القصر إلي
فوضي موجعة.. ومنذ ذلك اليوم يعرف هذا التاريخ ( ٢٢ كانون الثاني) بيوم الأحد الدامي..
هل كان نيقولا الثاني مسؤولا.. الحقيقة الثابتة أنه لم يكن في القصر، ولا حتى في المدينة في
ذلك الوقت.. ومن المعلوم أن ضابطا من ضباط الحرس هو الذي أصدر أمر إطلاق النار إلي
الجنود.. ومن المحتمل أن يكون هذا الضابط منفذا لأوامر رؤسائه الإرهابيين.. وكان هذا
العمل بمثابة الشرارة التي تدير المحرك، وتلا ذلك وهج الثورة الشاملة.
بصرف النظر عمن كان المسئول، فقد كانت النتيجة أن انضم عشرات الألوف من العمال
الذين كانوا يدينون بالولاء للقيصر، إلي الحزب الاشتراكي الثوري، وامتدت الحركة إلي المدن
الأخرى.. وحاول القيصر أن يكبت المد الثوري، فأمر منذ مطلع شباط بإجراء تحقيق في
الحادثة علي يد لجنة شيدلوفسكي.. وفي آب أعلن أن الاستعدادات جارية لتشكيل مجلس
وعرض أن يمنح ..Duma تمثيلي تشريعي ديموقراطي، وعرف هذا بعد تأسيسه بالدوما
عفوا شاملا لكل السجناء السياسيين.. وتحت مفعول هذا العفو، عاد لينين وزعماء البلاشقة إلي
روسيا في تشرين الأول.. ولكن لم يستطع القيصر برغم كل ما فعله أن يلجم المد الثوري.
في العشرين من تشرين الأول ١٩٠٥ أعلن اتحاد عمال السكك الحديدية الذي يسيطر عليه
المنشفيك الإضراب العام.. وفي الخامس والعشرين من ذلك الشهر امتد الإضراب وشمل
موسكو وسمولنسك وكيرسك وغيرها من البلدان.. وفي السادس والعشرين من الشهر تأسست
حكومة بطرسبرج الثورية.. وكانت تلك الحكومة تحت سيطرة المنشفيك في حزب العمل
الاشتراكي الديموقراطي الروسيّ، مع أن الحزب الاشتراكي كان ممثلا.. وكان أول رئيس له
هو منشفيك سبوردفيسك. وقد تم إبداله بسرعة بجورجي نوسار. وهذا بدوره خلع علي يد
تروتسكي الذي أصبح رئيسا اعتبارا من التاسع من كانون الأول ١٩٠٥ .. وفي السادس عشر
من كانون الأول ألقت قوة عسكرية القبض علي تروتسكي وعلي ٣٠٠ من أعضاء الحكومة
الثورية.. ولم يكن بين الموقوفين بلشفيّ بارز واحد.
ولم تنته الثورة.. في العشرين من كانون الأول استولي يهودي اسمه بارفوس علي السلطة في
إدارة ثورية جديدة، ودعا إلي إضراب عام في بطرسبرج، فاستجاب لندائه ٩٠,٠٠٠ عامل..
وفي اليوم التالي أضرب ١٥٠,٠٠٠ عامل في موسكو.. وفي الثلاثين من كانون الأول عادت
بعض الوحدات وبعض الضباط الذين كانوا ما يزالون موالين للقيصر، واستعادوا السلطة
بأعجوبة.. وهكذا وضعوا حدا للثورة.. وحافظ القيصر نيقولا علي وعده وتم إنشاء الدوما
وانتخاب المجلس التشريعي.
***
في عام ١٩٠٧ عقد المؤتمر الخامس لحزب العمل الاشتراكي الديموقراطي الروسي في
لندن.. ودعا هذا المؤتمر لدراسة ثورة ١٩٠٥ المجهضة.. وألقي لينين تبعة الفشل علي انعدام
التعاون بين المنشفيك وبقية الزعماء الثوريين، ودعا إلي سياسة موحدة وإلي عمل موحد.
ورد مار توف الضربة للينين، واتهمه بأنه قصر في تقديم المعونة المفروضة عليه لثورتهم..
واتهمه خاصة بحجز المعونة المالية عنهم.. وكان ما يثير الإزعاج لدي ماروتوف وغيره من
الزعماء اليهود مثل ابراهاموفيتش وزورا لوكسمبورغ، هو أن لينين قد استطاع تأمين المال
اللازم لحضور هذا العدد الكبير من المندوبين في المؤتمر.. واتهموه بأنه يقوم بتمويل حزبه
البلشفي عن طريق النهب والخطف والتزوير والسرقة.. ووبّخوه لرفضه أن يكتتب بجزء
معتبر من أمواله المنهوبة لصالح منظمة الوحدة المركزية.
واتفق المؤتمرون في النهاية علي وجوب إيجاد تعاون أوثق بين القادة الثوريين وقرروا اختيار
من سيقوم بتحرير صحفهم، وألقوا أهمية كبري علي الدعاية، مع التشديد علي أن كل ما ينشر
في الصحف يجب أن يكون ضمن سياسة الصحيفة التي تلتزم بخط الحزب.
وفي العام ١٩٠٨ بدا البولشفيكك إصدار صحيفتهم “البروليتاريا”.. وأصدر المنشفيك “جو لوس
سوسيتال ديموقراطيا”.. بينما أصدر تروتسكي مطبوعة شبه مستقلة سماها “فيينا برافده”
.Vienna Pravda
وفي العام ١٩٠٩ ، حصل لينين علي التأييد غير المشروط من زعيمين يهوديين، هما
زينوفييف وكامينيف.. وأصبحوا يعرفون “بالترويكا” أي الثلاثي.. واستمرت هذه الصداقة حتى
. وفاة لينين في عام ١٩٢٤
***
قرر لينين أن يختبر شجاعة ومدي إمكانية الوثوق بتلميذه الجديد ستالين، وأراد أيضا أن يُري
القواد الآخرين في الحركات الأخرى أنه مستقل ماليا.. وللقيام بهذا العمل المزدوج كلف لينين
ستالين بسرقة مصرف تيفليس.. واختار ستالين شريكا له في تلك المهمة أرمنيا يدعي
بترويان، الذي أبدل اسمه فيما بعد فأصبح كامو.. وكمنا لعربة المصرف، وقذفها بترويان
بقنبلة فجّرت كل ما فيها، ولم يبق صحيحا إلا الصندوق المتين الذي يحوي ٢٥٠,٠٠٠
روبل.. وقتل في هذا الحادث ٣٠ شخصا.. وهكذا أثبت ستالين قدرة قيادية كافية فيه.
***
في نهاية ثورة ١٩٠٥ ، شرع القيصر نيقولا الثاني بإجراء إصلاح جذري، وصمم على تحويل
الملكية الروسية المطلقة إلي حكم ملكي دستوري علي الطريقة الانكليزية.. وبدأ مجلس الدوما
بالعمل، وكان رئيس الوزراء بيتر أو كاديفيتش ستولين أحد المصلحين الكبار، وقد أصدر
“قوانين ستوليين”، التي منحت الحقوق المدنية للفلاحين، الذين كانوا يشكلون نسبة ٨٥ % من
مجموع الشعب الروسي.. وقد أدت إصلاحاته الزراعية إلي تأمين المعونات المالية الكافية
للفلاحين، بحيث أصبح بمستطاع الفلاح شراء أرضه بنفسه.. وكان اعتقاده يتجه إلي أنّ
الوسيلة الوحيدة لمحاربة دعاة الطريقة الشيوعية في الحياة، هي تشجيع فكرة الاستهلاك
الفردي.
وكان هم الزعماء الثوريين هو الاستيلاء علي السلطة، ولم تكن تهمهم الإصلاحات في شيء..
وفي العام ١٩٠٦ حاولت جماعة إرهابية اغتيال ستولين، فدمروا منزله بقنبلة.. وحيكت خطط
عديدة للتخلص من رئيس الوزراء، الذي لم يكن الشعب الروسي ليحلم بأفضل منه.. وفي ليلة
مظلمة من ليالي أيلول عام ١٩١١ ، اغتيل أكبر وزير مصلح عرفته روسيا، بينما كان يحضر
عرضا مسرحيا في مسرح كييف.. وكان القاتل محاميا يهوديا يدعي موردخاي بورغوف.
وقد حاولت الحكومة الروسية أن تطبّق إصلاحات ستولين بعد مقتله.. وفي عام ١٩١٢ أعطي
قانونين تأمين العمال الصناعيين، تعويضا عن المرض وعن الحوادث، بنسبة ثلثي المرتب
العادي عن المرض وثلاثة أرباع عن الحوادث.. وأعطيت صحف الحركات الثورية صفة
شرعية لأول مرة بعد إنشائها.. واتسعت المدارس الحكومية وامتدت.. وأعيد النظر في قوانين
الانتخابات لتضمن انتخابا أكثر حرية وأكثر تمثيلا.. وفي العام ١٩١٣ منحت حكومة القيصر
عفوا شاملا لكل السجناء.. وفور إطلاقهم من السجن شرع هؤلاء في التآمر والتخطيط لقلب
الحكومة الروسية. ودعا الإرهابيون إلي تصفية أفراد العائلة المالكة.. ولكن الإصلاحات كانت
قد أقنعت الأكثرية الساحقة من الشعب الروسي.. وبدا في ذلك الوقت أن قضية الثورة
أصبحت مسألة ميتة، فركز الثوريون مجهوداتهم في بلدان أخري، وعلي وجه الخصوص في
أسبانيا والبرتغال.
وأخذت أجهزة الدعاية الشيوعية تبث ضبابا أحمر.. ونظمت حملة مدروسة من التشهير في
روسيا، علي غرار ما جري في فرنسا وإنكلترا قبيل ثورتيهما.. وهكذا أصبح الإنسان العادي
لا يتصور القياصرة والنبلاء الروس إلا وحوشا ملتحين، يستعبدون الفلاحين ويغتصبون
نساءهم الشابات، ويخترقون أجساد الأطفال برماحهم في أثناء نزهاتهم علي ظهور الجياد عبر
القوي.. ولكي تبرهن إن آخر القياصرة كان من المصلحين، فسوف نستشهد بكلمات لبرترام
وولف وقد كان ضد القيصرية ومع الثورة.. يقول وولف في الصفحة ٣٦٠ من كتابة “ثلاثة
صنعوا ثورة”: “بين ١٩٠٧ و ١٩١٤ ، وتحت قوانين ستولين للإصلاح الزراعي، أصبح
٢,٠٠٠,٠٠٠ من الفلاحين مالكين لأراضيهم في القرى.. وقد استمرت حركة الإصلاح تلك
١٩١٧ .. وفي أول كانون الثاني ١٩١٦ بلغ عدد المنتفعين – حتى في سني الحرب ١٩١٤
٦,٢٠٠,٠٠٠ فلاح.. ورأي لينين أّنه لو تأخرت الثورة عقدين من الزمان، فستحول
الإصلاحات الزراعية وجه الريف الروسي، بحيث لا يعود قوة ثورية يعتمد عليها.. وقد كان
لينين علي حق.. فعندما دعا في العام ١٩١٧ الفلاحين “للاستيلاء علي أراضيهم” كانوا هم قد
ملكوا أكثر من ثلاثة أرباعها في ذلك الوقت”.
***
ومن سوء الحظ أن راسبوتين كان يمارس ضغوطا شريرة علي رجال ونساء البلاط
الإمبراطوري.. وكانت الإمبراطورة واقعة بشكل كبير تحت تأثير راسبوتين، فقد كان الوحيد
الذي استطاع وقف النزيف الذي أصاب ابنها الصغير.
ويبدو واضحا أن راسبوتين كان يتمتع بقوي نفسية مغناطيسية، الأمر الذي كان شائعا لدي فئة
من الشعب الروسي.. وبدأ أنه استطاع أن يضع الإمبراطورة تحت سيطرته، لجعلها تجبر
القيصر علي ما يريد راسبوتين أن يفعله، فكان هو الذي يحكم روسيا، الأمر الذي أدي إلي
استياء الشعب الروسي.
ومن الثابت أيضا أن راسبوتين أدخل إلي دوائر البلاط رجالا ونساء كانوا يمارسون طقوسا
.. وثنية، مثل التي كانت تنفذ سرا في البالية رويال قبيل اندلاع الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩
وكانت هذه الطقوس تستند إلي مبدإ تافه، يقول أن الأرواح لا تنجو إلا إذا انحدرت إلي الدرك
الأسفل في الخطيئة!.. وأدخل راسبوتين المخربين إلي البلاط الإمبراطوري، مما مكنهم من
الاطلاع علي أسرار الشخصيات الكبيرة، وبالتالي ابتزازهم وجرهم لفعل ما يأمرهم به رؤساء
المخربين.

الحرب العالمية الأولى:

في كانون الثاني من عام ١٩١٠ ، اجتمع تسعة عشر قائدا من قواد الحركة الثورية العالمية في
لندن.. ويعرف اجتماعهم هذا ب “مجمع كانون الثاني للجنة المركزية”.
وقرر المجمع القبول بصحيفة “سوسيتال ديموقراطيا” صحيفة الحزب العامة.. واختار البلاشقة
لينين وزينوفييف محررين في الجريدة، بينما اختار المنشفيك لتمثيلهم فيها مارتوف ودان..
وعين كامينيف مساعدا لتروتسكي في تحرير صحيفة “فيينا برافده”.. وكان علي الأعضاء أن
ينشطوا للدعوة إلي مبادئهم الثورية الإلحادية.
***
اغتيلت إمبراطورة النمسا عام ١٨٩٨ .. واغتيل الملك هومبرت عام ١٩٠٠ ، والرئيس ماكينلي
عام ١٩٠١ .. واغتيل الغراندوق رجيوس الروسي عام ١٩٠٥ .. واغتيل ملك البرتغال وولي
. عهدها عام ١٩٠٨
قرر قادة الحركة الثورية العالمية المجتمعون في جنيف بسويسرا أنه أصبح من الضروري
إزالة الملك كارلوس ملك البرتغال لتأسيس جمهورية في تلك البلاد، وهكذا أصدروا الأمر
باغتياله عام ١٩٠٧ .. وفي كانون الأول ١٩٠٧ ذهب ميغالهايس  رئيس مجمع الشرق
الأكبر الماسوني في البرتغال  إلي باريس، ليحاضر أمام المحافل الماسونية.. وكان
موضوع محاضرته “البرتغال، محاولة قلب الملكية، وضرورة إنشاء نظام جمهوري”.. وبعد
ذلك بأسابيع قليلة، اغتيل كل من الملك كارلوس وابنه ولي العهد.
: وقال فيرغون  خطيب المجمع الماسوني للشرق الأكبر في أسبانيا  في ١٢ شباط ١٩١١
“ألا تدرون ذلك الشعور العميق بالفخار الذي أحسسنا به لدي إعلان الثورة البرتغالية؟.. فقد تم
في ساعات قلائل، الإطاحة بالعرش وانتصار الشعب وإعلان الجمهورية.. كان ذلك بالنسبة
للمبتدئين بمثابة ومضة برق في سماء صافية. ولكننا نحن، يا أخوتي، نحن الذين نفهم.. نحن
نعرف التنظيمات المدهشة لإخواننا البرتغاليين، كما نعرف حماستهم التي لا تفتر وعملهم الذي
لا يتوقف.. ونحن نعلم سر ذلك الحدث المجيد”.
اجتمع قادة الحركة الثورية العالمية والمسؤولون الكبار في الماسونية الأوروبية في سويسرا
عام ١٩١٢ .. وقرروا في هذا المؤتمر اغتيال الأرشيدوق فرانسيس فرديناند، تمهيدا للحرب
العالمية الأولي.. وفي ١٥ أيلول ١٩١٢ ، نشرت مجلة “ريفيو انترناسونال دي سوستيه
سيكرت” التي يحررها (م. جوين) الكلمات التالية علي الصفحات ٧٨٧  ٧٨٨ : “قد يلقي
بعض الضوء يوما علي هذا الكلام، الذي قاله مسئول ماسونيّ كبير في سويسرا، لدي بحث
موضوع وريث عرش النمسا.. قال ذلك المسؤول: “إن الأرشيدوق رجل نبيه، ومما يؤسف له
أنه محكوم عليه.. سوف يموت علي درجات العرش”.
وألقي الضوء علي هذه الكلمات خلال محاكمة القتلة، الذين اغتالوا وريث العرش النمساوي
وزوجته في ٢٨ حزيران ١٩١٤ .. وكان هذا العمل الذي ارتكب في ساراييفو، الشرارة التي
أدت إلي انفجار الحرب العالمية الأولي.. إن التقرير المختزل الذي كتبه فالروس حول
المحاكمة هو وثيقة دامغة.. ويثبت هذا التقرير أن أصحاب المصارف العالميين استعملوا
محافل الشرق الأكبر الماسونية لإشعال الحرب العالمية الأولى، تماما كما استعملوها بين
١٧٨٧ و ١٧٨٩ لتفجير الثورة الفرنسية.. وفي ١٢ تشرين الأول ١٩١٤ استجوب رئيس
ملقي القنبلة الأولي علي سيارة ،Cabrinovic المحكمة العسكرية كابرينوفيك
الأرشيدوق.
قال رئيس المحكمة: “أخبرني المزيد عن البواعث.. هل كنت تعرف قبل القيام بالمحاولة، أن
تانكوزيك وسيجانوفيك من الماسونيين؟.. وهل أثر علي قراراتك كونك ماسونيا مثلهم؟”.
كابرينوفيك: “نعم”.
الرئيس: “هل تلقيت منهم الأمر بتنفيذ الاغتيال؟”.
كابرينوفيك: “لم أستلم من أحد أمرا بالاغتيال.. وكل ما فعلته الماسونية هو أنها قوّت من
عزيمتي.. والقتل مسموح به في الماسونية.. وقد أخبرني سيجانوفيك أن الماسونية كانت قد
حكمت علي الأرشيدوق فرانز فرديناند بالموت منذ أكثر من سنة”.
أضف إلي ذلك الإثبات، البرهان الآخر الذي قدمه الكونت زيزين، وهو أحد الأصدقاء
الحميمين للأرشيدوق.. قال: “كان الأرشيدوق يعلم أن محاولة لاغتياله وشيكة الوقوع، وقد
أخبرني قبل الحرب بنفسه أن الماسونيين الأحرار قرروا اغتياله”.
***
وبعد النجاح في إشعال نار الحرب العالمية الأولى، حاول القادة الثوريون إقناع العمال
والجنود أن هذه الحرب هي حرب رأسمالية.. وألقوا باللوم علي الحكومات في كل القضايا
الشائكة.
لما كانت روسيا خارجة من حرب منهكة مع اليابان منذ سنوات قليلة، كان من السهل نسبيا
خلق جو عام من الشك والقلق في نفوس العمال الروس، وحتى بين جنود القوات المسلحة في
فترة ١٩١٤  ١٩١٦ .. وحتى كانون الثاني ١٩١٧ ، كانت الجيوش الإمبراطورية الروسية
قد تكبدت ما يقارب ٣,٠٠٠,٠٠٠ إصابة، وفقدت زهرة شبابها.
كان لينين ومارتوف في سويسرا، وهي البلد المحايد الذي توضع فيه كل المخططات
والمؤامرات العالمية.. وكان تروتسكي يتولى تنظيم المئات من الثوريين الروس الذين لجأوا
إلي الولايات المتحدة.. وكان قادة المنشفيك يمارسون نشاطهم التخريبي في روسيا.. وأتهم
الفرصة في كانون الثاني ١٩١٧ .. وقد حدثت عمليات نفذت بمهارة، أدت إلي تخريب أجهزة
الاتصالات، ومركز النقل ووزارة التموين.. ونتج عن ذلك نقص خطير في المواد الغذائية في
بطرسبرج.. وحدث هذا في الوقت الذي كانت فيه المدينة تشكو من تضخم عدد السكان، بسبب
العمال الصناعيين الذين كانوا يفدون إليها، بسبب الاحتياج إليهم في المجهود الحربي.
وكان شباط ١٩١٧ شهرا رديئا، وعمل بنظام تقنين الطعام.. وكان القلق عاما في آذار..
وكانت صفوف المواطنين طالبة الخبز تتزايد باستمرار.. وفي آذار امتلأت الشوارع بالعاطلين
عن العمل.. وكان القيصر ما يزال في الجبهة يزور الجنود.
وفي ٧ آذار، نظم قادة المنشفيك اليهود تظاهرة نسائية في الشوارع، احتجاجا علي النقص في
الخبز.
وفي ٨ آذار قامت النساء بتظاهرتهنّ الكبرى.. وبعد ذلك تدخل الثوريون.. وكانت جماعات
مختارة تقوم بمتظاهرات جانبية.. وظهرت زمر الأشرار هنا وهناك، تنشد الأناشيد الثورية
وترفع الإعلام الحمراء.. وفي تقاطع نيفسكي بروسبكت وقنال سانت كاترين، قام رجال
الشرطة والجنود بتفريق المتظاهرين بدون أي إصابة.. وبدا أن الأوامر المحددة كانت قد
أعطيت للجنود لتجنب التورط مرة ثانية في حادثة مماثلة لحادثة يوم الأحد الدامي عام
.١٩٠٥
في التاسع من آذار امتلأت المنطقة بين نيفسكي بروسبكت وسانت كاترين حتى محطة
نيقولاي بالجماهير الحاشدة، التي أصبحت أكثر شجاعة تحت تحريضات مثيري الفتن
والمشاعر.. وتوّلت خياله القوزاق تنظيف الشارع.. ولم يستعمل الخيالة إلا باطن سيوفهم، ولم
تستعمل الأسلحة النارية أبدا.. وأغاظ هذا التسامح الزعماء الثوريين، الذين أصدروا تعليماتهم
للمحرضين بزيادة جهودهم، لإحداث مواجهة مباشرة بين الشعب وبين الشرطة والجنود.. وفي
الليل ركب الثوريون مدافعهم الرشاشة في مواضع خفية من المدينة.
وفي آذار، حدثت حادثة مؤسفة.. فقد احتشد جمهور غفير أمام محطة نيقولاي.. وحوالي
الساعة الثانية بعد الظهر، مرت في تلك الساحة عربة فيها رجل مغطي بالفرو لحمايته من
البرد القارس.. وكان الرجل عديم الصبر، فأمر سائقه بالمرور بين الناس.. وكان هذا خطأ
منه في الحكم علي أعصاب المحتشدين.
سحب الرجل من عربته، وانهال الناس عليه ضربا.. وعندما استطاع الوقوف علي قدميه، جر
نفسه إلي عربة متوقفة في الشارع، فلحقه قسم من الجمهور، حيث ضربة أحدهم بقضيب من
الحديد علي أم رأسه.. وأثار هذا العمل شهوة الدماء عند الجمهور، فاندفعوا عبر شارع
نيفسكي يحطمون النوافذ ويثيرون الشعب.. وبدأت المعارك، وعمت الفوضى.. وكان القادة
الثوريون بحسب الخطط الموضوعة، يطلقون النار علي الجماهير من أماكنهم السرية.. وهاج
الرعاع، وهاجموا الشرطة، متهمين إياها بالبدء في إطلاق النار عليهم، وذبحوا شرطيا مقابل
كل رجل منهم.. ثم جري إطلاق سراح المساجين، ليشتركوا في حملة الدم.. وهكذا خلقوا
الظروف الملائمة لحكم الإرهاب.
وفي ١١ آذار، أدي إطلاق سراح السجناء والمجرمين إلي خلق حالة فوضي وشغب عامة..
وكان مجلس الدوما ما يزال يتابع محاولاته لتطويق المد الثوري.. وأرسلوا إلي القيصر رسالة
مستعجلة، يخبرونه فيها أن الحالة خطيرة، ويشرحون بإسهاب حالة الفوضى السائدة.. ولكن
الخلايا الشيوعية العاملة في حقل المواصلات أرسلت رسالة أخري.. ولدي قراءة القيصر لهذه
الرسالة المزورة، أمر بحل مجلس الدوما!!.. وهكذا حرم نفسه من تأييد أكثرية الأعضاء
الموالية له.
وفي ١٢ آذار، ثارت بعض الوحدات وقتل الجنود ضباطهم.. وفجأة استسلمت حاميات
حصون سانت بيتر وسانت بول، وانضم معظم الجنود إلي الثورة.
وفور استسلام الحاميات، تشكلت لجنة من الدوما مؤلفة من ١٢ عضوا.. وقد استمرت تلك
الحكومة الإقليمية في العمل، حتى قلبها بلاشفة لينين في تشرين الثاني من ١٩١٧ .. وتولي
القادة الثوريون تنظيم حكومة بطرسبرج الثورية، وسمحوا للحكومة الإقليمية بالعمل لأنها
كانت تمثل السلطة الشرعية.
وتولي لينين أمر أَضعاف نفوذ الزعماء اليهود الثوريين في روسيا، ووعد بسحب الجيوش
الروسية من الحرب مع ألمانيا، مقابل أن تساعده الحكومة الألمانية علي قلب الحكومة
الإقليمية، وعلي السيطرة التامة علي السياسة والاقتصاد في روسيا.. وبعد الاتفاق علي هذه
القضية، عاد لينين ومارتوف وراديك وفريق من ٣٠ شخصا من البلاشقة إلي روسيا سرا،
بواسطة عربة سكة حديد مغلقة.. ووصلوا إلي بطرسبرج في ٣ نيسان.
وقعت الحكومة الإقليمية وثيقة وفاتها بيدها، عندما أصدرت عفوا عاما غير مشروط عن جميع
السجناء السياسيين.. وكان العفو يشمل أولئك المنفيين إلي سيبيريا، وأيضا الذين طلبوا اللجوء
إلي البلدان الأخرى.. وأتاح هذا الأمر لحوالي ٩٠,٠٠٠ من الثوريين الروس المتطرفين
الدخول إلي روسيا، وكان العديد منهم قادة مدربين.. وجند لينين وتروتسكي هذا العدد الضخم
في الحزب البلشفي.
فور عودة لينين إلي روسيا، شرع باستعمال وسائل الإعلام لمهاجمة الحكومة الإقليمية التي
منحته وأتباعه العفو.. وفي أوائل نيسان كان المنشفيك يسيطرون علي الحكومة الثورية أي
مجلس العمال.. وكان يأتي بعدهم في الأهمية “الإيسار” (الاشتراكيون الثوريون).. أما
البلاشفة فقد كانوا فئة الأقلية.. وكانت سياسة الحكومة الإقليمية تتجه إلي استمرار الحرب مع
ألمانيا، لأن أكثرية الروس كانت تعتبر مطامع النازية الألمانية السوداء خطرا مباشرا علي
سيادتها.. وكان تشيدز الذي تولي رئاسة الحكومة الثورية في بطرسبورغ بعد مارتوف مؤيدا
لهذا الرأي بكل قواه.. وكان نائب الرئيس سكوبوليف مؤيدا لمتابعة الحرب، لأنه اعتقد أن
الثوريين في حال متابعتهم الحرب وهزيمتهم للجيوش الألمانية، سيتمكنون من مساعدة
الجماعات الثورية في ألمانيا وبولندا ضد الحكومات المهزومة.
كان هدف لينين الوحيد في ذلك الوقت، هو الحصول علي الزعامة.. هاجم سياسة الحكومة
الإقليمية، واتهم أعضاءها بالعمالة للبورجوازية، ودعا علنا إلي الإطاحة بها.. وفي ذات الوقت
لم يشأ أن يعادي حكومة المنشفيك الثورية، فأصدر تعليماته إلي المحرضين البلاشقة بدعوة
عمال المصانع وجنود الحاميات إلي تدمير الحكومة الإقليمية.
وكان تروتسكي ضمن الألوف من الثوريين الذين عادوا إلي روسيا بعد العفو، وأخذ معه في
طريق العودة المئات من الثوريين الذين هربوا من روسيا إلي أميركا وكندا.. وكانت غالبيتهم
العظمي من يهود الأطراف الشرقية من نيويورك.
وساعد هؤلاء الثوريون لينين في الوصول إلي السلطة.. وكان معظمهم بعد إنهاء مهماتهم،
يحكم عليهم بالموت أو بالنفي.. ولم ينقض وقت طويل حتى كان أعضاء المؤتمر العالمي
الأول إما مقتولين وإما في السجن وإما في المنفى!
***
والإثباتات حول الدور الذي لعبه الصيارفة العالميون لمصلحة لينين في الثورة الروسية، نجده
..” في “الكتاب الأبيض” الذي صدر في بريطانيا بإذن الملك في عام ١٩١٩ “روسيا رقم ١
ولكن الصيارفة العالميين العاملين من خلال مدراء مصرف إنكلترا “أقنعوا” الحكومة
البريطانية بسحب الوثيقة الأصلية، واستبدالها بأخرى حذفت منها كل إشارة لليهود العالميين.
: يقول فرانسوا كوتي في عدد الفيغارو في ٢٠ شباط ١٩٣٢
“إن هذه الهبات التي كان يمنحها يعقوب شيف إلي حركات الفوضويين والثوريين في روسيا
وسائر البلاد، ليست نفحات من الكرم الفرديّ.. وقد أسست في الولايات المتحدة منظمة
روسية إرهابية علي نفقة شيف، مهمتها اغتيال الوزراء والحكام ورؤساء الشرطة وغيرهم”.
والنورانيون الذين يستعملون الشيوعية والنازية لتحقيق مطامعهم السرية الديكتاتورية يضعون
العمل الثوري في ثلاث مراحل أو حركات:
١. تغيير شكل النظام القائم إلي دولة اشتراكية، وبالوسائل الدستورية إذا استطاعوا.
٢. تحويل الدولة الاشتراكية إلى ديكتاتورية عمالية، بواسطة العمل الثوري.
٣. تحويل الديكتاتورية العمالية إلي حكم مطلق، بتطهير كل الأشخاص الذين يقفون في
طريقهم.
***
بعد عام ١٩١٨ انقسم اليهود الروس إلي قسمين: الثوريون المتشبثون بالنظريات الماركسية،
العاملون علي إقامة اتحاد عالمي من الجمهوريات الاشتراكية (التروتسكيون).. والقسم الآخر
يحبذ العودة إلي فلسطين (الصهاينة).. وتقول الآنسة ب. باسكرفيل في كتابها “اليهودي
١١٨ : “تهدف الصهيونية السياسية إلي – البولندي”، الصادر عام ١٩٠٦ ، في الصفحات ١١٧
تحويل الصهاينة إلي اشتراكيين قبل هجرتهم إلي فلسطين، وذلك لتسهيل إقامة الحكومة
الاشتراكية.. وفي ذات الوقت يحاولون قلب الحكومات الأوروبية التي لا تعمل وفق مبادئهم..
ويحتوي برنامجهم المليء بالأفكار الاشتراكية علي تنظيم الإضرابات وأعمال الإرهاب”.
وفي آذار ١٩١٨ غير البلاشقة اسمهم، وكانوا قد سموا أنفسهم “حزب العمل الديمقراطي
الروسي”، فصاروا يعرفون باسم “الحزب الشيوعي” ونقلوا مقرّهم إلي موسكو.
لم يقبل الحزب الاحتياطي الثوري الذي يقوده اليهود أن يصبح لينين الرجل الأول في روسيا،
لذلك حاول اثنان من هذه الجماعة اغتياله في ٣٠ آب ١٩١٨ ، فجرح لينين بينما قتل يورتزكي
الذي عينه لينين قائدا لمنظمة شيكا.. وقد أخذ لينين هذا الحادث مبررا للقيام بأعمال إرهابية
واسعة جدا وبدون أي توقف، فأصبحت الغارات الليلية تجري بشكل متواصل، حتى إن الذي
كان يذهب لينام في فراشه لم يكن يدري هل سيعيش ليلقي الصباح أم لا!.. يقول دافيد شوب
في كتابه المؤيد للماركسية “لينين”: “وقد ضيع القليل من الوقت في استقاء الشواهد وفي
تصنيف الناس “المكدسة” نتيجة هذه الغارات الليلية.. ويقاد المساجين إلي مركز البوليس القديم
بجانب القصر الشتوي، حيث يعدمون رميا بالرصاص”.
ولقد كان القتل والتعذيب والبتر والاغتصاب والحرق، كل ذلك كان الصخرة العقيمة التي قام
عليها ما يدعي “بجمهورية السوفيات الاشتراكية”.
لقد مات الملايين من المواطنين الروس، كما أنّ هناك ما يقدر باثني عشر مليونا آخرين، حكم
عليهم بخدمة الدولة عن طريق الأعمال الإجبارية حتى يطلق سراحهم بالموت.

أحجار على رقعة الشطرنج: وليم كار .

Advertisements

آليات الثورة الفرنسية و تشابها مع ماكان و يحدث في المنطقة العربية !!!

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله

الثورة الفرنسية 1789

 

 

إن كلمة “أيدوم” Edam لها دلالتها في التاريخ اليهودي كما جاء في الموسوعة اليهودية، وهي تعني “أحمر”.
ويقص علينا التاريخ، كيف أن صائغا يهوديا يدعي (آمشل موسى باور)، أنهكه التجوال في أراضي أوروبا الشرقية، فقرّ قراره علي الاستقرار نهائيا في فرانكفورت بألمانيا عام 1750، حيث افتتح محلا للصرافة في منطقة جود ينسراس.. وفوق باب دكانه كان يعلق درعا أحمر رمزا لمهنته.. وهنا يجدر بنا أن نذكر أن الثوريين اليهود في أوروبا الشرقية اعتمدوا أيضا البيرق الأحمر شعارا لهم، لأن اللون الأحمر يرمز إلي الدم.
ومن المهم لدي دراسة حركة الثورة العالمية أن نتذكر أن “العلم الأحمر” كان رمزا للثورة الفرنسية ولكل ثورة تلتها حتى الآن.
والأكثر من ذلك دلالة، هو أن لينتين عندما قلب الحكومة الروسية بتمويل من الصيارفة العالميين وأسس الدكتاتورية الطاغية الأولي عام 1917، كان تصميمه لراية الدولة علما أحمر في طرفه مطرقة ومنجل، وتعلو ذلك كله نجمه يهوذا.

روتشلد وإمبراطورية المال اليهودية:

كان لآمشل موسى باور ابن من مواليد عام 1743، اسمه آمشل ماير باور.. توفي الأب عام 1754 عندما كان ابنه في الحادية عشرة من عمره.. وكان والده قد دربه علي كل ما يتعلق بأمور مهنة الصياغة والربا.
بدأ الابن حياته ككاتب في مصرف أوبنهايمر.. ولم تمض فترة طويلة حتى برهن عن حذاقة وموهبة في شؤون الصيارفة، مما حدا بأصحاب المصرف إلى أن يكافئوه، بإدخاله شريكا جزئيا في المصرف.. ثم لم يلبث أن عاد إلي فرانكفورت ليتسلم ويدير المؤسسة التي خلّفها أبوه.. وكان الدرع الأحمر لا يزال معلقا بأبهة وفخر فوق الباب.. ولمعرفته بالدلالة السرية لهذا الدرع، قرر آمشل مايروباور أن يتخذ اسما جديدا لعائلته.. ومعني الدرع الأحمر بالألماني روت شيلد Roth Schild.. وهكذا انبثقت إلي الوجود عائلة روتشيلد.
توفي (آمشل ماير باور) عام 1812، وكان له خمسة من الأولاد دربهم تدريبا دقيقا ليصبحوا من جهابذة المال والذهب.. وكان أقدر هؤلاء الأبناء ناثان، الذي أظهر مقدرة خارقة في شؤون المال.. حتى إنه أوفد إلي إنكلترا وهو في عامه الواحد والعشرين، بهدف السيطرة علي مقدرات إنكلترا الاقتصادية.. وقد تلقي ناثان روتشيلد لدي سفره مبلغ 20.000 جنيه، فاستطاع إثبات مقدرته المالية بتحويلها إلي 60.000 جنيه خلال سنوات ثلاث فقط.
وفي عام 1773 كان ماير روتشيلد لا يزال في الثالثة والثلاثين من عمره.. وقد دعا لملاقاته في فرانكفورت اثني عشر رجلا من كبار الأغنياء، لإقناعهم بتجميع ثرواتهم وتأسيس مجموعة واحدة، ليكون بإمكانهم أن يمولوا الحركة الثورية العالمية.
وكشف لهم روتشيلد كيف تم تنظيم الثورة الإنكليزية، وبيّن لهم الأخطاء التي ارتكبت.. وكانت الثورة بطيئة جدا وأخذت وقتا طويلا.. ولم تتم تصفية الرجعيين بالسرعة والقسوة الكافيتين.
ويعتمد المخطط الخاص بفرنسا، علي المناورة بثرواتهم الضخمة المتحدة، مما سيؤدي إلي خلق ظروف اقتصادية مشبعة بالقلق، بحيث تنقشى البطالة بصورة شاملة بين جماهير الشعب الفرنسي، فتدفعها إلي حالة قريبة من المجاعة، فتنصب مسؤولية الانهيار الاقتصادي علي عاتق الملك والبلاط والنبلاء والكنيسة والصناعيين وأرباب العمل، ويندس المحرضون والدعاة المأجورون بين صفوف الشعب، ليشيعوا مشاعر الحقد والبغضاء، ويطالبوا بالانتقام من الطبقات الحاكمة، التي يشهّرون بها بالفضائح الجنسية، كما يلصقون بها كل أنواع الاتهامات الحقيقية والباطلة.
وفيما يلي نسخة ملخصة لخطة العمل هذه تبين طبيعة المؤامرة التي رسمها هؤلاء آنئذ للسيطرة علي الثروات والموارد الطبيعية واليد العاملة في العالم (لاحظ أنّ الكلام التالي هو بروتوكولات حكماء صهيون):
1. بدأ روتشيلد كلامه بشرح أبعاد الخطة قائلا: بما أن أكثرية الناس تميل إلي الشر أكثر من ميلها إلي الخير، فإن الوسيلة المثلي للحصول علي أطيب النتائج في الحكم هي استعمال العنف والإرهاب، وليس استعمال المناقشات العلمية الهادئة.. فالقانون بحسب رأيه ليس إلا القوة المقنعة.. وتوصل إلي الاستنتاج المنطقي الذي يقول إن “قوانين الطبيعة تقضي بأن الحق هو القوة”.
2. ثم أكد روتشيلد أن الحرية السياسية ليست إلا فكرة مجردة ولن تكون حقيقة واقعة.. ويستنتج من ذلك أن كل ما يقتضيه الوصول إلي السلطان السياسيّ، هو أن يبشر شخص ما أو هيئة ما بالتحرر السياسي بين الجماهير، حتى إذا آمنت هذه الجماهير بتلك الفكرة المجردة، قبلت أن تتنازل عن بعض امتيازاتها وحقوقها دفاعا عن تلك الفكرة.. ويستطيع المتآمرون آن يستولوا علي هذه الامتيازات والحقوق.
3. وأكد روتشيلد بعد ذلك أن سلطة الذهب قد تمكنت من انتزاع مقاليد الحكم من الحكام الأحرار.. وذكر مستمعيه بأن الدين كان هو المسيطر علي المجتمع ذات يوم.. ثم لما استعيض عن الدين بالحرية، أضحي الناس لا يعرفون كيف يستعملون هذه الحرية باعتدال.. ودفعه ذلك إلي الاستنتاج أن بإمكان المتآمرين أن يستعملوا فكرة الحرية لإثارة النزاعات الطبقية داخل المجتمع الواحد.. وأضاف أنه لن يكون مهما بالنسبة لنجاح مخططنا علي الإطلاق أن يتم تدمير الحكومة القائمة من الداخل أو من الخارج، لأن المنتصر كائنا من كان سوف يحتاج إلي “رأس المال” وهو بكامله بأيدينا نحن.
4. وأعلن روتشيلد بعد ذلك أن الوصول إلي الهدف يبرر استعمال أية وسيلة كانت، لأن الحاكم الذي يحكم بموجب القواعد الخلقية ليس بالسياسي الماهر في المناورات لأنه يلتزم بالحق والشرائع ولا يقبل بالكذب علي الجماهير، وهكذا يكون وضعه ضعيفا ومعرضا دائما للهزات. ثم أضاف قائلا: ” يجب علي الذين يرغبون في الحكم أن يلجئوا إلي الدسائس والخداع والتلفيق لأن الاجتماعية الكبرى كالصدق والاستقامة ما هي إلا عيوب كبري في السياسة”.
……………. سأختصر هذا الجزء، حيث يمكنك قراءة مختصر البروتوكولات في المقال الخاص بها.

***

أنا علي اقتناع بأن الوثائق التي وقعت عام 1901 بحوزة البروفيسور نيلوس الروسي، والتي نشرها في كتاب تحت عنوان “الخطر اليهودي” عام 1905 في روسيا، لم تكن إلا نسخة موسعة عن المؤامرة الأصلية.. ويبدو من مقارنة النصوص أن القسم الأول مطابق لما أوردت.. ولكن هناك بعض المعلومات الإضافية التي تكشف كيف أن المتآمرين استعملوا الداروينية والماركسية، وحتى المبادئ التي قامت عليها فلسفة نيتشه.. والأهم من ذلك كله أن تلك الوثائق المكتشفة عام 1901، تكشف كيف أن الصهيونية ستستعمل كسلاح جديد في المؤامرة.. وهنا يجدر بنا أن نذكر أن الصهيونية لم تولد إلا عام 1897.
وقد ترجم كتاب “الخطر اليهودي” إلي الإنكليزية السيد فكتور مارسدن، وطبعته شركة مطبوعات بريتونز في لندن بإنكلترا تحت عنوان “بروتوكولات حكماء صهيون” عام 1921.

***

وقد يدور في الذهن السؤال التالي: ما هو البرهان علي صحة انعقاد تلك الاجتماعات السرية؟.. وإذا تأكدنا من انعقاد هذه الاجتماعات، فكيف نثبت أن مثل هذه المواضيع بحثت خلالها؟
والجواب علي ذلك في منتهى البساطة.. إن العناية الإلهية هي التي تولت كشف تلك الخطة الشيطانية.
عام 1785 كان أحد الفرسان يغزّ السير بجواده بين فرانكفورت وباريس، حاملا معلومات مفصلة حول الحركة الثورية العالمية عامةً، وتعليمات خاصة حول الثورة الفرنسية.. كانت تلك التعليمات صادرة عن النورانيين اليهود في ألمانيا، وموجهة إلي السيد الأعظم لماسوني الشرق الأكبر في فرنسا.. وكانت محافل الشرق الأكبر الماسونية في فرنسا قد تحولت إلي شبكات سرية تعد للثورة وأعمال العنف، علي يد الدوق دورليان السيد الأعظم لماسوني فرنسا.
أصيب ذلك الفارس بصاعقة في طريقه عبر منطقة راتيسبون قضت عليه.. ووقعت الوثائق التي يحملها بحوزة رجال الشرطة، الذين سلموها بدورهم إلي السلطات المحلية في بافاريا.. وهكذا نري في حال دراستنا لتطور الأحداث، الارتباط القائم بين دار روتشيلد واليهود النورانيين في فرانكفورت، والنورانيين المتسللين داخل الماسونية الفرنسية الحرة، والذين أسسوا محافلهم الخاصة المعروفة بمحافل الشرق الأكبر.

تخطيط الثورة:

بدأ العملاء النورانيون بالاحتكاك بالمركيز ميرابو.
كان ميرابو ينتمي إلي طبقة النبلاء، ويتمتع بنفوذ كبير في أوساط البلاط الملكي.. كما كان صديقا حميما للدوق الذي اختير ليكون الواجهة الظاهرة للثورة الفرنسية.. والأهم من ذلك كله، كان المركيز ميرابو مجردا من الأخلاق، وكانت حياته مليئة بالفواحش، مما أدي إلي وقوعه في الديون الباهظة.
كان من السهل إذن علي كبار المرابين، جعل عملائهم يتصلون بمبرابو، الخطيب الفرنسي الشهير.. وتحت ستار الصداقة والإعجاب بالمواهب الخطابية، كان هؤلاء العملاء يعرضون علي ميرابو مساعداتهم المالية لإنقاذه من مصاعبه المادية.. ولكن ما كانوا يقومون به في الواقع، هو تدبير انغماسه في هوة الرذيلة والإباحية إلي أخفض درجاتها.. وهكذا انتهي به الأمر إلي أن أصبح مدينا لهم بمبالغ طائلة، جعلته تحت رحمتهم وطوع إرادتهم.. وفي اجتماع عقد لتوثيق ديونه تم تعريف ميرابو باليهودي الكبير موسى مندلوهن، الذي وضعه تحت رعايته، وتولي تعريفه في الوقت المناسب، بامرأة حسناء اشتهرت بجمالها وسحرها، كما اشتهرت بتجردها من أي وازع أخلاقي.
كانت هذه اليهودية الحسناء متزوجة من رجل يدعي هيرز.. ولكن هذا لم يزد ميرابو إلا ولعا بها ورغبه فيها.. ولم تمض فترة طويلة حتى أصبحت تقضي مع ميرابو من الوقت أكثر مما تقضي مع زوجها!.. وهكذا أصبح ميرابو بلا حول ولا قوة، مربوطا بالديون الباهظة ومفتونا بسحر السيدة هيرز من جهة أخري.
وهكذا أبتلع الطعم و الصنارة!.. ولكن العملاء، كما يفعل الصيادون المهرة، لم يضيقوا عليه الخناق بادئ الأمر.
كانت الخطوة التالية إدخاله إلي النورانية.. وكان عليه أن يقسم أغلظ الأيمان للمحافظة علي السرية والطاعة تحت طائلة التهديد بالقتل.. والخطوة التي تلت ذلك هي زجه بمواقف معينة، أخذت بعد مدة طريقها إلي الشيوع بصورة غامضة.. وقد سمي هذا الأسلوب الذي يؤدي إلي تحطيم الصورة المعنوية والاجتماعية لشخص ما فيما بعد “الفضيحة أو التلطيخ أو التشهير”.. وكانت النتيجة المباشرة لهذه الفضائح وحملة التشهير، أن تنكر لميرابو زملاؤه وأقرانه من طبقته الاجتماعية.. وأدت إلي امتلاء ميرابو بمشاعر الحقد، التي تحولت إلي رغبة في الانتقام، وتفجرت باعتناقه مبادئ القضية الثورية.
لقد كانت مهمة ميرابو العمل علي إغراء الدوق دورليان، وإقناعه بأن يقوم بدور القائد للثورة الفرنسية.. وكان الاتفاق الضمنيّ قد تم علي أن ينصّب الدوق دورليان نفسه علي العرش بعد الملك كحاكم ديمقراطي.. وقد حرص مخططوا مؤامرة الثورة الفرنسية علي أن يتجنبوا إعلام أيّ من ميرابو والدوق دورليان أنهم ينوون إعدام الملك والملكة والألوف من النبلاء.. وأقنعوهما بأن هدف الثورةليس إلا تطهير السياسة والدين من الخرافات والطغيان.
وعهد إلي آدم وايزهاوبت بمهمة تنسيق الطقوس والشعائر النورانية لاستعمالها في محافل الشرق الأكبر الماسونية.. كان وايزهاوبت يعيش في فرانكفورت.. ولقد قام ميرابو بتعريف الدوق دورليان وصديقه تاليران إلي وايزهاوبت، الذي تولي بدوره مهمة تعريفهما بأسرار محافل الشرق الأكبر الماسونية.. وشرع الدوق دورليان بإدخال طقوس الماسونية الجديدة ـ ماسونية الشرق الأكبر ـ إلي الماسونية الفرنسية الحرة.. ولم يأت العام 1789 حتى كان هناك أكثر من ألفي محفل في فرنسا تابعة لماسونية الشرق الأكبر، تضم تشعباتها أكثر من مئة آلف عضو.. وهكذا تمكنت النورانية اليهودية بإشراف موسى مندلسوهن، من النفاذ إلي قلب الماسونية الأوروبية الحرة، علي يد آدم وايزهاوبت.
وقام النورانيون اليهود بعد ذلك، بتشكيل لجان ثورية سرية داخل المحافل الماسونية.. وهكذا تأسست القاعدة الصلبة للحركة الثورية في فرنسا، في التشكيلات السرية التابعة للمحافل.
بعد أن نجح ميرابو بمهمته، أخذ يدفع صديقه للانزلاق في الرذيلة والفجور، حتى هوي إلي نفس الدرك الذي كان هو قد وصل إليه من قبل، وقاده إلي العزلة الاجتماعية.. ولم تمض أربع سنين، حتى ناء كاهل الدوق دورليان بالديون الباهظة، بحيث لم ير مفرا من الاقتناع باللجوء إلي طريقة خطرة، هي الاشتراك في عمليات التهريب والتجارة المحرمة حتى يسترد بعض خسارته.. إلا إن مغامراته كانت دائما تبوء بالفشل ويفتضح أمرها بطريقة غامضة، مما زاد موقفه سوءا وحمله خسائر أفدح.
وفي عام 1780 بلغت ديونه مبلغ 800.000 ليره فرنسية.. وحينئذ تقدم المرابون ثانية، وشرعوا يقدمون له النصائح المتعلقة بأعماله المالية، ويمدونه بالمعونة النقدية.. وحبكوا دسائسهم حوله، واستخدموا مهارتهم في المناورة، حتى وصلت أوضاعه إلي درجة من السوء، لم يجد معها بدا من رهن جميع أملاكه وأراضيه وقصوره، بما فيها القصر الملكي المخصص له، كضمان للديون التي بذمته.. ثم وقّع الدوق دورليان عقدا بإذن لدائنيه اليهود، بإدارة كل ما يخصه من أرض وممتلكات، حتى يؤمنوا له مبلغا يكفي لسداد ديونه، ويعطوه دخلا مناسبا ثابتا يمكّنه من العيش.
لم يكن الدوق دورليان يوما بالرجل الألمعي فيما يختص بالقضايا المالية.. وكان أغلب الظن لدية وهو يوقع العقد مع الصيارفة اليهود، أن الاتفاق صفقة سليمة.. فقد تعهد المرابون بإدارة ممتلكاته وتحويل عجزه المالي إلي نجاح.. وهل كان يريد أكثر من ذلك؟.. لا ريب في أن الدوق لم يكن يشك أبدا في أنه بتوقيعه ذلك العقد، باع نفسه جسدا وروحا إلي الشيطان.. ولكنه فعل ذلك وأصبح بين أيدي العملاء بكلّيّته.
وعينت القوي الخفية يهوديا من أصل إسبانيّ، للإشراف علي أملاك الدوق دورليان وعلي قصره الملكيّ “الباليه رويال”.. وكان اسم هذا المشرف اليهودي شودرلوس دي لا كلوس.. وكان شودرلوس معروفا بكتابه “العلاقات الخطرة”، وغيره من الكتب الجنسية الفاضحة.. وكان يدافع علنا عن فسقه المتمادي، بأنه إنما يدرس سياسة الحب من كل جوانبه لأنه مغرم بالسياسة!!
وقد حول قصر الدوق الذي عهد به إليه، إلي أضخم وأشهر دار للتهتك عرفها العالم حتى ذلك الوقت.. ليصبح المركز الذي تصمم وتنفذ فيه، تفاصيل الحملة الهادفة إلي تحطيم المعتقدات الدينية والأخلاق العامة في فرنسا.. وكان كل هذا يتم علي أساس المبدأ الحاخامي: “أفضل الثوريين شاب مجرد من الأخلاق”!
ولم يكن شودرلوس دي لاكلوس وحيدا في مهمته، بل كان له شريك يهودي أيضا اسمه كاغليوسترو بجوزيف بالسامو من باليرمو.. وقد حول هذا أحد منازل الدوق إلي مركز للطباعة، أخذ يصدر منه المنشورات والإعلانات الثورية.. كما قام بتنظيم لجنه الإعلاميين الثوريين المحرّضين، الذي كانت مهمتهم نشر الأدب الثوري، وتنظيم الحفلات الموسيقية، والمسرحيات والاجتماعات الخطابية للمناقشة.. كان الهدف من كل ذلك إثارة المشاعر لدي الجماهير والتمهيد للثورة.. كما قام بالسامو بتنظيم حلقة من الجواسيس والعيون، لكي ينقلوا معلومات الفضائح لأسيادهم من رجال القوي الخفية، لكي يقوموا باستغلالها في قضايا التشهير بالشخصيات الاجتماعية المرموقة.. وكان الرجال والنساء الذين يقعون في شباك لا كاوس وبالسامو، لا يلبثون أن يصبحوا فريسة للابتزاز، حتى يصبحوا أداه طيعة ينفذون ما يؤمرون به.
وهكذا تحولت ممتلكات الدوق دورليان إلي مركز لتدبير الثورة.
وتغلغلت الخلايا في قاعات الاجتماعات والمسارح والمعارض الفنية والنوادي الرياضية، فتحوّلت إلي قاعات للمغامرة ومنازل للدعارة وحانات لتعاطي الخمور والمخدرات.. وكان زعماء الثورة الفرنسية المنتظرون محاطين بهذا الجو الموبوء، حيث تتعطل ضمائرهم، ثم يقضي عليها إلي الأبد بتشجيعهم علي الانغماس في أعمال الشر والرذيلة.
وكتب سكادر في كتابه “أمير الدم”، في معرض حديثه عن قصر الباليه دويال: “لقد كان هذا القصر يشغل رجال الشرطة، أكثر مما تشغلهم بقية المناطق في باريس كلها مجتمعة”.

***

أرسلت شقيقة الملكة انطوانيت إليها عددا من الرسائل الشخصية، تنبهها فيها بوجود مخطط المؤامرة، واضطلاع أصحاب المصارف العالميين فيها، والدور الذي ستلعبه محافل الماسونية الحرة الفرنسية فيها.. ولكن ماري انطونيت (1755 ـ 1793)، لم تستطع أن تصدق هذه الأشياء المخيفة.. وجوابا علي تحذير أختها بأن النورانيين في فرنسا يعملون تحت ستار الماسونية الخيرية لتدمير الدولة والكنيسة، أرسلت ماري انطوانيت إلي أختها تقول: “إن قلقك مبالغ فيه بشأن الماسونية، فهي هنا أقل أهمية منها في أي مكان آخر في أوروبا”.
ولقد بين التاريخ مدي الخطأ الذي وقعت فيه ماري انطوانيت، فهي برفضها المستمر أن تعير الاهتمام لتحذيرات أختها، أودت بنفسها وبزوجها إلي المقصلة.
ويعتقد معظم دارسي التاريخ، أن الملكة ماري انطوانيت كانت امرأة لعوبا انسافت وراء تيار المرح والملذات الذي كان يسود البلاط الفرنسي، كما يتحدثون عن قضايا غرامية كثيرة ومثيرة ينسبونها إليها كحقيقة واقعة، مثل خيانتها لزوجها مع أصدقائه وحياتها الخليعة المتهورة.. والواقع هو أن صورة ماري انطوانيت تلك، لم تكن إلا الصورة التي قام برسمها بالسامو وزملاؤه، في نطاق حمله التشهير الواسعة التي شنوها عليها.. وساعدهم ترسيخ هذه الصورة في عقول الجماهير، علي جعل الشعب يطالب برأسها بعدالثورة.. ولقد برهن المؤرخون أن الروايات المروية عن ماري أنطوانيت ليست إلا أكاذيب وتلفيقات.. ويؤكد لنا هذه الحقيقة الصبر الشديد الذي قابلت به مكائد أعدائها، والأنفة التي واجهت بها مصيرها، والشجاعة التي تحلت بها عند تقديمها للمفصلة.. وهذه الصفات لا يمكن أن تكون لا امرأة خليعة ماجنة.
وللإمعان في تلطيخ سمعه الملكة، ابتكر وايزهاوبت ومندلسوهن قضية عقد الجوهر.. وهذه القضية تتلخص كما يلي:
في ذلك الوقت كانت الخزينة الفرنسية في أسوأ حالاتها، وكانت الحكومة الفرنسية تستجدي بارونات المال ليمدوها بالمزيد من القروض.. في ذلك الوقت اتجه عميل سري من عملاء رؤوس المؤامرة إلي جوهريّ البلاط، حاملا إليه طلبا مزعوما باسم الملكة لصنع عقد من الجواهر الثمينة شبيه بالعقود الأسطورية، إذ بلغ ثمنه ربع مليون ليرة فرنسية.. فقام الصائغ بصنع هذا العقد وقدمه إلي الملكة لتحكم عليه، ولكنها رفضت العقد بصورة قاطعة، كما نفت علمها بأية رسالة منها بهذا الصدد.. بيد أن الأقاصيص عن هذا العقد الخياليّ، كانت قد شاعت في كل مكان كما شاء لها المخططون.. ودارت آله الدعاية التي يشرف عليها بالسامو، فلم تلبث ماري أنطوانيت أن غرقت في طوفان من الانتقادات، وتعرضت شخصيتها للتلطيخ، وسقطت سمعتها في الأوحال.. وعندما وصلت الحملة إلي هذه الذروة، ضرب بالسامو ضربته الرئيسية، فدارت مطابعه لتطبع الآلاف تلو الآلاف من المنشورات التي تندد بالملكة، زاعمة أن عشيقا سريا لها هو الذي أهداها هذا العقد إعجابا بمفاتنها!
علي أن الأمور لم تقف عند هذا الحد، بل ابتكر مخططو التشهير فكرة أكثر خبثا وشيطانية من الأولي لتلطيخ سمعه الملكة.. فقد كتبوا رسالة إلي الكاردينال برنس دي روهان، تحمل توقيعا مزيفا للملكة.. وفي الرسالة طلب من الكاردينال موافاة الملكة في قصر البالية رويال في منتصف الليل، للتباحث بشأن العقد.. وعهد المتآمرون إلي إحدى غانيات هذا القصر بالتنكر بزي الملكة ومقابلة الكاردينال ليلا.. وكان أن وصلت القضية إلي الصحف والمنشورات، وانتشرت الأهازيج الجنسية الرخيصة، التي تتناول اثنتين من كبار شخصيات الدولة والكنيسة.
ويسجل التاريخ أن عقد الجوهر ـ بعد أن أدي مهمته الشريرة في فرنسا ـ نقل إلي إنكلترا.. ويقال إن معظم هذه حباته محفوظة بشكلها الأصلي لدي يهودي يدعي إلياسون.
وهناك برهان قاطع آخر علي ارتباط المرابين اليهود في إنكلترا بالمؤامرات التي أدت إلي القيام الثورة الفرنسية.. وقد نبشت هذا البرهان الليدي كوينزبورو مؤلفة كتاب “الكهنوت الشيطاني”.. وقد تم لها ذلك خلال أبحاثها، عندما عثرت علي مطبوعة قديمة اسمها “العداء للسامية”، كتبها عام 1849 اليهوديّ برتار لازار.. واستنتجت الليدي كوينزبورو من المعلومات الواردة في الكتاب، أن بنيامين جولد شميد وأخوه إبراهام وشريكهما موسى ميكانا وابن أخيه السير موسى مونتيفيور ـ وهؤلاء جميعا كانوا من المتمولين اليهود في إنكلترا ـ كانوا مرتبطين بإخوانهم اليهود في أوروبا وعاملين معهم علي إشعال الثورة الفرنسية.. وقد وجدت براهين أخري أيضا، أثبتت علاقة دانييل أيتشيع من برلين وصهره دافيد فزيدلاندر وهيرز غريبير من الألزاس، بروتشيلد وبالمؤامرة.. وهكذا ينكشف لنا القناع عن الأشخاص الذين كانوا يشكلون في ذلك الوقت القوة الخفية وراء الحركة الثورية العالمية.

***

وإنه من الأهمية بمكان دراسة الوسائل التي استعملها هؤلاء المرابون لإيقاع الحكومة بعجز مالي، لأن الوسائل ذاتها استعملت فيما بعد في أميركا وروسيا وأسبانيا والبلدان الأخرى.
ويعطي الكاتب البريطاني السير والترسكوت في المجلد الثاني من مؤلفة “حياة نابليون”، صورة واضحة عن النقلات الأولية في لعبة الثورة الفرنسية.. ويلخّص سكوت الوضع آنذاك قائلا: “لقد عامل هؤلاء الممولون الحكومة الفرنسية كما يعامل المرابون المسرف المتلاف المفلس.. فهم يقرضونه الأموال اللازمة لبذخه وإسرافه بيد، ليعتصروا باليد الأخرى بقايا الثروات التي تذهب لسداد الفوائد غير المعقولة.. وهكذا تتالت سلسلة طويلة من قروض هؤلاء المرابين الهدامة، تعقبها حقوق وامتيازات مختلفة حصلوا عليها كضمانات لوفاء ديونهم.. وبذلك أصاب الارتباك مالية الدولة الفرنسية”.
بعد أن بلغت أوضاع الحكومة الفرنسية درجة كبيرة من السوء وجدت نفسها مجبرة علي طلب قروض جديدة لتمويل مشاريعها الحربية التي جرها إليها جماعة المؤامرة.. وتلطف المرابون وعرضوا علي الحكومة الفرنسية تقديم القرض اللازم، شرط أن يتولوا هم كتابة عقد اتفاقية القرض.. وكانت الشروط التي قدموها في الظاهر لينة ومتسامحة، ولكنهم تمكنوا من إدخال الثعبان إلي داخل الغرفة، أي إدخال مندوبهم السيد نيكر Necker إلي الحكومة الفرنسية، الذي طلب الممولون أن يعين وزيرا أعلي للشؤون المالية لدي المجلس الاستشاري للملك.. وادعي الممولون اليهود أن نيكر سيتمكن من انتشال فرنسا من مصاعبها المالية في وقت لا يذكر.. ولكنّ ما حدث في السنوات الأربع التالية، هو أن نيكر أسهم في توريط الحكومة الفرنسية مع الممولين اليهود بأسوأ شكل، حتى إن قيمة القرض الوطني بلغت 170 مليونا من الجنيهات الإسترلينية.
((ملحوظة: هذا شبيه بالفترة التي سبقت احتلال الانجليز لمصر، بل وشبيه بما يفعله البنك الدوليّ الآن بدولنا!!!))
يصف الكابتن أ. رامزي هذا الوضع وصفا دقيقا في كتابة “حرب دون اسم” فيقول: “الثورة هي ضربة موجهة إلي جسم مشلول.. عندما تشتد قبضة الديون، يسيطر الدائنون علي مختلف مرافق الإعلام والنشاطات السياسية، مع تشديد القبضة علي الصناعة.. وهكذا يصبح المسرح معدا لضربة الثورة.. تتولى اليد اليمني ـ التي هي يد التمويل ـ بث الشلل في الجسم، بينما تمسك اليد اليسرى ـ التي هي يد الثورة ـ بالخنجر وتهوي علي الضحية بالضربة القاضية.. ويتولى الفساد الخلقي تسهيل العملية وتمهيد الطريق لها”.
وبينما كانت منشورات الإساءة الدعائية تستنزل اللعنات علي رؤوس رجال الكنيسة والدولة، كان عملاء المؤامرة ينظمون ويدرّبون الأشخاص الذين تقرر جعلهم زعماء حكم الإرهاب الذي سيتلو انهيار الملكية.. وكان بين هؤلاء الزعماء روبسبير ودانتون ومارا.. وكان الرجال المنتقون للهجوم علي الباستيل وإطلاق سراح السجناء والمعتوهين يلتقون في دير اليعاقبة.. هكذا رسمت تفاصيل الخطط الدموية بين جدران ذلك المبني المقدس، وهناك وضعت القوائم بأسماء الرجعيين من النبلاء وأنصار الملك الذين تجب تصفينهم.. وتقرر أن ينطلق المجرمون والمجانين الذين أطلق سراحهم فيُعملون الذبح والتقتيل والاغتصاب العلني بين جماهير الشعب، في الوقت الذي تقوم فيه عناصر الخلايا السرية بإدارة مانويل، بتجميع الشخصيات السياسية الكبيرة ورؤوس الإكليروس والضباط المعروفين بولائهم للملك.

***


بعيد انفجار الثورة الفرنسية قام اليعاقبة بالاستيلاء علي السلطة.. وطلبوا من الدوق دورليان أن يصوت علي إعدام ابن عمه الملك.. وظن الدوق أنه سيكون الملك الدستوري علي فرنسا، فصوّت علي إعدام ابن عمه، فترك بذلك القوي الخفية والمخطط الحقيقيين بعيدين عن كل لوم أو شك، وجعل من شخصه هدف كل لوم وشك محتمل.. بعد ذلك أمرت القوي بتصفيته هو أيضا، فركزت ضده كل طاقاتها الدعائية والتشهيرية.. وفي وقت قصير كان الدوق في طريقه إلي المقصلة!.. وبينما كان يستقل العربة في الطرقات المكتظة، كان يسمع بأذنيه صراخ الجماهير من كل الطبقات وهي تندد بفضائحه وتعبر عن بغضها له!!
وعندما تبين ميرابو أنه لم يكن إلا وسيلة بيد القوي الخفية لتسليط انتقامها علي الناس، شعر بالندم.. وبالرغم من انحلاله الخلقي لم يستطع ميرابو أن يهضم مشاهد العنف البالغ وأعمال العدوان، التي كان اليعاقبة يسلطونها علي كل أولئك الذين يشير إليهم السادة السريون بأصابع الانتقام والتعذيب.. وكان ميرابو في الواقع يعارض إيذاء الملك، وكانت خطته الشخصية تهدف إلي تقليص دور الملك حتى يصبح مجرد واجهة للحكم، ويكون هو بنفسه المستشار الرئيسي للملك الواجهة.. ولذلك فإنه عندما تحقق من أن هدف سادته هو قتل لويس، أقدم علي تدبير محاولة لتهريبه من باريس ونقله إلي مقر قواته, التي كان قادتها لا يزالون مقيمين علي الولاء له.. ولكن خطة ميرابو تسربت وعرف بها اليعاقبة، فأمروا بتصفيته هو أيضا!
علي أن الأمر اختلف بالنسبة له، لأن منظمات التشهير لم يكن لديها الوقت الكافي لحبك شبكة الفضائح والاتهامات حوله، فلجأ المنفذون إلي تسميمه، بصورة بدت معها الجريمة وكأنها حادث انتحار.. وفي كتاب حول قضية الجوهر التي أشرنا إليها سابقا جاءت الملاحظة التالية:
“ولم يكن لويس يجهل أن ميرابو مات مسموما”

***

كان دانتون وروبسبير من الشياطين المتجسدة خلال عهد الإرهاب.. وعدما أتم روبسبير ودانتون عملهما بخدمة أهداف النورانيين، جاء دورهما أيضا، فحيكت حولهما شبكة الاتهامات والفضائح ثم أرسلا إلي المقصلة.

***

أدرك السير والترسكوت ـ الكاتب البريطاني الكبير ـ الكثير من الحقائق حول القوي الخفية التي كانت تقف وراء الثورة الفرنسية.. ويستطيع أي شخص يقرأ كتابة الضخم “حياة نابليون” أن يحسّ أن المؤلف قد اكتشف الجذور اليهودية للمؤامرة.
ويشير السير والتر إلي أن الشخصيات الرئيسية في الثورة كانت بمعظمها رجوما أجنبية، كما لاحظ أن هؤلاء كانوا يستعملون تعاير يهودية خاصة مثل “المدراء” و”الحكماء”.. كما يشير سكوت إلي تعيين (ما نويل) مدعيا عاما لكومون باريس بطريقة غامضة.. وينص السير والتر أن هذا الشخص كان مسئولا عن انتقال آلاف الضحايا إلى سجون باريس، وهم بعينهم الذين قضوا نحبهم في المجزرة الكبرى التي جرت خلال شهر أيلول من عام 1792، وذهب ضحيتها 8000 من أولئك السجناء في سجون باريس وحدها.. كما لاحظ السير والتر أن كومون باريس (مجلس مقاطعة باريس) أصبح فيما بعد بيد اليعاقبة، الذين كانوا يصرخون طالبين المزيد من الدم.. ويروي سكوت أن روبستر ودانتون ومارا كانوا أعضاء في كنيس اليعاقبة، حتى وقت إتمام مهماتهم وإعدامهم.. وكان مانويل هو الذي أشعل الشرارة في الحملة علي الملك والملكة، التي انتهت باقتيادهما إلي المقصلة.. وكان يساعد مانويل في أعماله شخص آخر اسمه دافيد، وهو أحد الأعضاء في لجنة الأمن العام، وكان يقوم بمحاكمة الضحايا.. وقد اشتهر بمطالبته الدائمة بالتقتيل وسفك الدماء.
ويسجل السير والتر أن دافيد هذا كان يستهل أعماله الدموية كل يوم بعبارة “فلنسفك اليوم المزيد من الدماء”.. وكان هو نفسه الذي أدخل عبادة الكائن الأعظم (الذي أحلته الثورة الفرنسية فترة محل الدين المسيحي الذي صدر الأمر بإلغائه)!.. وكانت الطقوس الوثنية الممارسة، نوعا من التقليد للحركات والتمتمات أثناء احتفالات الحاخامين بتلقي الوحي من الشيطان.. وقد حلت هذه مكان كل الطقوس المسيحية.
وتجب الإشارة هنا، إلي أن مؤلف السير والتر سكوت الضخم (حياة نابليون)، الذي يحوي تسعه مجلدات، والذي يكشف عن الكثير من الحقائق، قد اختفي ولم يعد معروفا اليوم!!
يجب التنويه أيضا بكتاب آخر بكتاب آخر ألفه (ج. رينيه) بعنوان “حياة روبسبير”، فهو يكتب وكأنه علي اطلاع ببعض الأسرار.. يقول في إحدى فقرات الكتاب: “بلغ حكم الإرهاب ذروته القصوى في الفترة بين 27 نيسان و28 تموز من العام 1794.. ففي ذلك اليوم الأخير خذل روبسبير، ولم يكن المسئول عن حكم الإرهاب شخصا واحدا، كما أنه لا يمكن أبدا أن يكون روبسبير ذلك الشخص.. وكان عدد الأشخاص الذين يتمتعون بالنفوذ في ذلك الوقت لا يقل عن عشرين”.. وفي موضع آخر يقول رينيه: “يوم الثامن والعشرين من تموز ألقي روبسبير خطابا طويلا أمام الجمعية العمومية، شن فيه هجوما عنيفا علي من أسماهم بالإرهابيين المتطرفين.. ولكن هجومه ذلك تضمن عبارات غامضة، صيغت بصورة غير مباشرة، تحمل اتهامات غير محددة.. وكانت الكلمات التي تفوه بها: “إنني لا أجرؤ علي تسميتهم هنا وفي هذا الوقت.. كما أنني لا أستطيع تمزيق الحجاب الذي يغطي هذا اللغز منذ أجيال سحيقة.. غير أنني أستطيع أن أؤكد، أن بين مديري هذه المؤامرة تابعين لذلك المذهب القائم علي الإفساد والإسراف، وهما الوسيلتان الأكثر فعالية بين جميع الوسائل التي اخترعها الغرباء لتفسيخ الدولة، وأعني بهؤلاء كهنة الإلحاد الدنسين ومبدأ الرذيلة الذي يعيشون عليه”.. ويضيف رينيه معلقا: “لو لم يتفوه روبسبير بهذه الكلمات لكان من الممكن أن ينتصر.. كان روبسبير قد تلفظ في الواقع بأكثر مما يجب، ولذلك فقد تلقي طلقة نارية في فكه، أخرسته بصورة عملية حتى اليوم التالي الذي سيق فيه المفصلة”!!
وهكذا تم القضاء علي ماسوني آخر أتيح له أن يعلم أكثر مما يجب.
بعد أن انتهي مخططو المؤامرة من القضاء علي جميع الضحايا الذين تقرر التخلص منهم في الثورة الفرنسية، بدأوا مرحلة جديدة من التآمر العالمي.. فأرسل أنسليم ماير روتشيلد ابنه ناثان ماير إلي إنكلترا، بمهمة افتتاح فرع لمؤسسة روتشيلد في لندن.. وكان الهدف من ذلك توثيق اتصال المرابين العالميين الذين يسيطرون علي مصرف إنكلترا، والمهيمنين علي كل من مصرف فرنسا ومصرف هولندا ومصرف ألمانيا.. بعد ذلك تمر قرار أصحاب المصارف علي استعمال نابليون أداه لتنفيذ مشيئتهم فقاموا بتدبير سلسلة الحروب النابليونية التي كان هدفها الإطاحة بعدد كبير آخر من العروش الأوروبية.

سقوط نابليون بونابرت:

بعدما اجتاح نابليون أوروبا بجيوشه، أعلن نفسه عام 1804 إمبراطورا، وعيّن أخاه جوزيف ملكا علي نابولي، ولويس ملكا علي هولندا، وجيروم ملكا علي وستفاليا.
وأما ناثان روتشيلد، فدبر الأمور بحيث جعل من إخوته الأربعة ملوك المال في أوروبا، وأصبح هؤلاء بالتالي السلطة الخفية.
وكانت سويسرا مركزا لقيادتهم، وقرروا بالتالي جعل سويسرا حيادية، وعدم زجها بأي من المنازعات ضمانا لسلامتهم وسلامة أموالهم.
وفي مقر قيادتهم في جنيف بسويسرا أخذوا يحبكون المؤامرات الخفية من جديد، ودبروا الأمور بحيث يستمرون في جني الأرباح الفاحشة من الحروب، التي كانوا يثيرونها دون أن يهمهم في شيء أمر أي من الفريقين المتحاربين أو نتيجة الحرب.. وكانت وسيلتهم إلي ذلك السيطرة علي مصانع السلاح، وعلي صناعة السفن والمناجم، والصناعات الكيماوية وصناعات الأدوية، وأفران الفولاذ الخ.
وهكذا جري كل شيء علي ما يرام.. ولكن كان هناك شيء واحد يضايق جماعة المؤامرة، وهو أن نابليون كان يزداد صلفا وأنانية كل يوم، حتى وصلت به الحال إلي تركهم وفضحهم علنا.. وهكذا وضع بنفسه حدا لمغامرته.
يسود الاعتقاد بأن شتاء روسيا وبردها القارص، هما اللذان حولا حملة نابليون ـ الظافرة في مطلعها ـ إلي واحدة من أكبر الفواجع العسكرية في التاريخ.. أما الحقيقة فهي أن سبب الهزيمة كان تخريب خطوط الاتصال، الذي منع وصول الإمدادات من الذخائر والمؤن.
أصبحت هذه الخطة ـ التي اتبعتها القوي الخفية لتحطيم جيش نابليون وإجباره علي التنازل عن العرش ـ منذئذ منهجا تقليديا للقوة الخفية وراء الثورات في العالم.. وهذه الخطة في غاية البساطة، فهي تقوم علي وضع عملائهم السريين في المراكز الرئيسية في شُعَب الجيش المختلفة، من تجهيز ومواصلات ونقل واستخبارات.. وهكذا يستطيع قادة المؤامرة بث الاضطراب والفوضى، حتى في أكثر الجيوش قوة وتنظيما، وذلك عن طريق تخريب عمليات التجهيز، وقطع الأوامر وإصدار أوامر متناقضة، وإرسال الإمدادات لغير الموضع المطلوب، وأعمال التجسس والتجسس المضاد.. فالخلايا التي توضع في مثل تلك المواضع الحساسة تعادل عشرة آلاف رجل في ساحة المعركة.. وهذه الوسائل عينها التي اتبعت في إسقاط نابليون، اتبعت فيما بعد لتحطيم جيوش روسيا القيصرية أمام الجيوش اليابانية عام 1904، وكذلك عام 1917 حين قامت الثورة الروسية، وفي أحداث التمرد في الجيش الإيطالي عام 1918.. وكان تسلل الشيوعيين إلي المناصب الحساسة في ألمانيا هو الذي دفع ضباط الجيش الألماني إلي طلب الهدنة فمنحوها عام 1918.. كما أن الوسائل عينها استعملت في تحطيم فعالية الجيش الأسباني عام 1936.. والخطط ذاتها تم استعمالها لإنزال الهزيمة بجيوش هتلر في روسيا، بعد حملتها الظافرة هناك في الحرب العالمية الثانية.
وهكذا نجد أن التاريخ يعيد نفسه، لأن القوي التي تسيطر علي مجريات الأمور تستعمل الطرق ذاتها مرة بعد أخري.. ولكن الأهم من كل ذلك، أن نذكر أن أحفاد أولئك الذين تسببوا في سقوط نابليون، هم الذين تسببوا في دحر القوات الصينية الوطنية عام 1954 وحتى الآن.. فقد صدرت أوامر غامضة ذهبت بما قيمته ملايين الملايين من الدولارات من الأسلحة إلي قعر المحيط الهندي، بدلا من أن تذهب إلي تشيان كياي تشك وأنصاره.. وواقع الأمر الذي جعل الحكومتين الأميركية والبريطانية تخونان حلفاءنا الذين يحاربون الشيوعية في الصين وفي كوريا، هو أن أصحاب المصارف العالميين كانوا يناورون لبسط السيطرة الشيوعية علي آسيا، فقاموا بخداع السياسيين في هذين البلدين، لجعلهما يتخليان عن القوات المضادة للشيوعية في المنطقة!

***

يسجل لنا التاريخ كيف تنازل نابليون عن العرش عام 1814 في باريس، حيث تم نفيه إلي جزيرة إليا، وهربه من هناك ومحاولته استرجاع سابق مجده، وكيف أنه هذه المرة كان يلعب ضد رجال يسيطرون علي لعبتهم تماما.. كان ناثان روتشيلد وحلقته العالمية قد ساندوا ألمانيا لإنزال الهزيمة بنابليون.. وكانت خطتهم هي كسب المزيد من المال مهما كانت نتيجة الصراع.. وقبل وقوع معركة واترلو كان ناثان روتشيلد في باريس.. وكان مقيما في قصر يطل مباشرة علي القصر الذي يشغله لويس الثامن عشر.. وقد عمد من ناحية ثانية إلي تنظيم شبكة من الجواسيس والعيون تنقل إليه أولا بأول أخبار معركة واترلو وشيكة الوقوع، عن طريق الحمام الزاجل.. ونظم في الوقت نفسه شبكة أخري لنقل أخبار ملفقة عن المعركة إلي إنكلترا.. ولما تأكد ناثان من تفوق ولنعنون وظفر قواته، أصدر أوامره إلي عملائه بإرسال أنباء معكوسة إلي إنكلترا تؤكد انتصار نابليون وهزيمة الجيش الإنكليزي.. وهذه الواقعة هي التي أوجدت التعبير الشائع “الحمامة هي التي أخبرتني”.. فإذا ما سأل أحد الإنكليز صديقا له: “من أين جئت بهذه المعلومات؟”، فسيجيبه صديقة “أوه، إن الحمامة هي التي أخبرتني”!
أما حمائم ناثان روتشيلد فقد كانت تخبر الأكاذيب.. ولقد نقلت إلي الشعب الإنكليزي من الأكاذيب الكبيرة، ما جعل الذعر يعم أوساط الجماهير.. انهارت السوق المالية انهيارا كبيرا، بحيث هبط سعر الجنية الإسترليني إلي شلن واحد، وانهارت أسعار الحاجيات بشكل لم يسبق له مثيل.. وكان ناثان قد استأجر سفينة صغيرة لتنقله من فرنسا إلي إنكلترا بمبلغ مائتي جنيه.. ولدي وصوله قام هو وشركاؤه بشراء كل ما يمكن شراؤه من سندات وأسهم وممتلكات.. ولما وصلت الأخبار الحقيقية أخيرا عن انتصار ولنجتون، عادت الأسعار إلي طبيعتها، فجني المرابون العالميون أرباحا وثروات خيالية.
وقررت مؤسسة روتشيلد ـ تعبيرا منها عن الفرح بمناسبة المأثرة التي قام بها ولتنون في القضاء علي نابليون ـ إقراض الحكومة الإنكليزية مبلغ 18 مليون دنية إسترليني، والحكومة الروسية مبلغ 5 ملايين.. وذلك، كما جاء رسميا، للقيام بإصلاح الخراب الذي سببته الحرب.. وعندما توفي ناثان روتشيلد عام 1836، كان قد أمّن السيطرة علي مصرف إنكلترا، وكان القرض القومي الإنكليزي قد وصل إلي 885.000.000 من الجنيهات، بسبب المجزرة الاقتصادية الكبرى التي نفذها روتشيلد عام 1815.

***

يكاد المرء لا يعثر علي ماسوني أوروبي واحد بين آلاف الماسونيين يعلم شيئا عن القصة الحقيقية لتسلل نوراني محافل الشرق الأكبر إلي صفوف الماسونية الأوروبية الحرة.. علي أن السادة العظام للماسونية الحرة في إنكلترا أدركوا حقيقية الأمر، وهذا ما دعاهم إلي توجيه تنبيه إلي إخوانهم الماسونيين يحذرونهم فيه من الاتصال أو الارتباط بأيّ من ماسوني الشرق الأكبر.. كما أن البابا بيوس التاسع أدرك حقيقة أن النورانيين الثوريين يتسللون إلي صفوف الماسونية الحرة في أوروبا، مما جعله يشن حمله علنية علي الشيوعية والماسونية، ويحذر المسيحيين من الانتساب إلي الماسونية.. وإذا كان يخامر البعض أي شك في حقيقة الدور الذي لعبته الماسونية في الثورة الفرنسية، فسنثبت هنا مناقشة جرت حول هذا الموضوع في مجلس النواب الفرنسي عام 1904.. بعد بضعة أسئلة استجوابيه تقدم بها المركيز روزانب حول ما إذا كانت الماسونية الحرة هي صانعه الثورة الفرنسية قال: “إننا متفقون إذن بصورة كاملة علي هذه النقطة بالتحديد، وهي أن الماسونية كانت الصانع الوحيد للثورة الفرنسية، وهذه التصفيات التي أسمعها الآن في المجلس، تبرهن علي أن بعض الموجودين يعلمون بذلك مثلي تماما”.
وعندئذ نهض النائب جومل وهو أحد الأعضاء المعروفين لمحفل الشرق الأكبر وقال: “نحن لا نعلم ذلك فحسب، بل إننا نعلنه علي الملأ”.
وعام 1923 أقيمت حفلة عشاء كبري حضرها العديد من الشخصيات المهتمة بالسياسة الدولية، وكان بينهم من له علاقات بمنظمة عصبة الأمم.. وفي هذه الحفلة اقترح رئيس محفل الشرق الأكبر في فرنسا علي الحاضرين، أن يشربوا نخب الجمهورية الفرنسيةوليدة الماسونية الفرنسية الحرة، ونخب الجمهورية العالمية التي ستولد من الماسونية العالمية.
كان المرابون العالميون في فرنسا قد تمكنوا من دفع عملائهم وإيصالهم إلي مناصب استشارية حساسة للقادة السياسيين الذين صمموا معاهدة فرساي المشؤومة.
وكان أعظم نصر لهم بعد ذلك، هو تمكنهم من إيصال مندوبهم السيد هيريو إلي موقع النفوذ في فرنسا عام 1924.. وهكذا أصبح بإمكان قادة محفل الشرق الأكبر الماسوني في فرنسا، وضع مشاريعهم وسياستهم الداخلية موضع التنفيذ خلال سنة، علي يد حكومة السيد هيريو.. وسنورد هنا مراجعة لبعض الأحداث التاريخية، التي جرت منذ 1923 وصاعدا، للدلالة علي السيطرة نورانيي محافل الشرق الأكبر علي السياسة في فرنسا:
1. في كانون الثاني عام 1923 أصدرت محافل الشرق الأكبر قرارا بإلغاء السفارة الفرنسية في الفاتيكان، ونفذ البرلمان الفرنسي هذا القرار في الرابع والعشرين من تشرين الأول عام 1924.
2. عام 1932 أيضا طالبت المحافل بتطبيق فكرة العلمنة.. وقد أدلي هيريو ببيان وزاري تأييدا لهذه الفكرة في السابع عشر من حزيران 1924.
3. في الحادي والثلاثين من كانون الثاني عام 1923، طالبت محافل الشرق الأكبر بمنح عفو عام عن كل المساجين من المجرمين والخونة.. واستفاد العديد من الزعماء الشيوعيين البارزين من هذا القرار، وكان منهم (مارتي)، الذي عرف فيما بعد كمنظم للكتائب التي حاربت إلي جانب الشيوعيين في أسبانيا بين 1936 – 1939.. ووافق مجلس النواب علي مشروع العفو، في تصويت جري في الخامس عشر من تموز 1924.. وهكذا أفلتوا علي الشعب الآمن عصابة من المجرمين الدوليين، الذين كانوا يعملون تحت امرة المجلس الأعلى لمحافل الشرق الأكبر، النورانية.
4. في شهر تشرين الثاني من عام 1922، بدأت المحافل حملة كبري، لإقناع الشعب الفرنسي بإقامة علاقات دبلوماسية مع الحكومة السوفيتية، ولكن هذه الحملة لم تتقدم كثيرا إلا بعد وصول السيد هيريو إلي الحكم.. وقد بدأت حملة الصداقة الفرنسية الروسية تلك، عندما نشر في النشرة الرسمية لمحفل الشرق الأكبر في فرنسا، مقالة عن هذا الموضوع، في تشرين الثاني عام 1922 في الصفحة 286.. وأقيمت العلاقات السياسية بين الحكومة الفرنسية وبين الحكومة الثورية الشيوعية في الثامن والعشرين من تشرين الثاني عام 1924.. وقوي الشر ذاتها تعاود الآن الضرب علي نغمة الاعتراف بالصين الشعبية اليوم.

***

ونجد في كتاب “الحلبة الإسبانية” للمؤلف وليم فوس والذي طبعته دار “نادي الكتاب” في لندن بإنكلترا عام 1939، معلومات وافية ومفصلة عن المؤامرات التي حاكتها محافل الشرق الأكبر في فرنسا وإسبانيا بين عامي 1923 ـ 1939.. ولكي نتبين استمرارية المؤامرة التي قام بها المرابون العالميون سنلقي الأضواء هنا علي بعض الأحداث:
ولد ليون بلوم في باريس لأبوين يهوديين عام 1872.. واشتهر بسبب الدور الذي لعبه في قضية دريفوس Dreyfus.. وقد انتخب رئيسا للوزراء في حزيران عام 1936، وبقي في هذا المنصب حتى حزيران 1937.. ثم أعيد انتخابه في آذار 1937 وبقي حتى نيسان 1937. واستطاع مؤيدوه أن يتدبروا عودته إلي السياسة، بجعله نائبا لرئيس الوزراء من حزيران 1937 وحتى كانون الثاني 1938.. وأقدر الآن أن منديس فرانس يلعب نفس الدور اليوم (كان هذا وقت تأليف الكتاب).
وكانت مهمة بلوم خلال ذلك الوقت، هي أن يكيف سياسة الحكومة الفرنسية تجاه إسبانيا بحسب مشيئة القادة السريين للحركة الثورية العالمية.. ولإبعاد كل شبهة عن أنفسهم عمد المتآمرون إلي إبراز دور الجنرال فرا نكو وأنصاره من المعسكرين، بأنهم كانوا هم المخططين والمنفذين للحوادث التي جرّت إلي الحرب الأهلية في أسبانيا.
وقد لعب بلوم دورا مهما في تنفيذ مخطط القادة السريين، بإمداد القوات الملكية الإسبانية بالذخائر والأسلحة والأموال.. وقد عمل علي إبقاء طرق جبال البرينية مفتوحة.. كما عمل علي اتباع سياسة عدم التدخل من جهة واحدة، فقد كانت هذه السياسة تطبق علي قوات فرانكو الوطنية.
وقد يعتقد بعض القراء أننا نبالغ في أمر النفوذ الذي تمارسه الماسونية في القضايا الدولية.. إننا نحيل هؤلاء إلي كتاب “دكتاتورية الماسونية الفرنسية” لمؤلفة أ.ج. ميشيل.. ففي هذا الكتاب يثبت المؤلف أن محفل الشرق الأكبر في فرنسا أصدر قرارا عام 1924، بوجوب السيطرة علي عصبة الأمم وجعلها أداه تابعة للماسونية الحرة.. وقد كتب تروتسكي في كتابة “ستالين”: “يملك ستالين اليوم برج بابل جديدا في خدمته.. وأحد المراكز الرئيسية لهذا البرج في جنيف مهد المؤامرات.
وتقع أهمية ما قاله تروتسكي حول التأثير الشيطاني لماسوني الشرق الأكبر داخل عصبة الأمم، في أن ما قاله ينطبق اليوم علي منظمة الأمم المتحدة.. والدارس لمجريات الأمور في الأمم المتحدة، يري أن ما يحدث من مناقشات وقرارات، تبدو غريبة وفارغة من المعني للشخص العادي في الشارع.. ولكننا إذا ما وضعنا هذه القرارات في موضعها الصحيح من المخطط طويل الأمد لجماعة المؤامرة، لبدت واضحة كل الوضوح.. وللقيام بذلك، ما علينا إلا أن نذكر اثنتين من الوقائع المهمة:
أولهما: يعتبر النورانيون أنه من الضروري القضاء علي كل أشكال الحكم الدستورية، سواء كانت ملكية أو جمهورية.
وثانيها: ينوي النورانيون إقامة الدكتاتورية العالمية فور سنوح الفرصة، وعندما يتأكدون من أن باستطاعتهم اغتصاب السلطة المطلقة.
ويقول م.ج. ماركوس: “يقع مركز الماسونية العالمية في جنيف.. وكذلك تقع مكاتب المؤسسات المرتبطة بالماسونية.. وهذا هو المكان الذي يفد للاجتماع فيه مندوبو الماسونية وممثلوها من العالم كله.. وهكذا نجد أن سر تلك المنظمات المرتبطة بالماسونية واضح وظاهر”.
وهكذا نستطيع أن نفهم ما قاله السيد الأعظم للمحفل الماسوني في أسبانيا، أمام مؤتمر ذلك المحفل عام 1924، إثر عودته من جنيف.. إذ قال: “لقد أسهمت بالمساعدة في عمل اللجان.. وقد استمعت إلي بول بونكور، جوهركس، لو سيور، ودي جو فنال.. وكان إلي جانبي مندوبون عن الحركة الماسونية في فرنسا.. وكان هؤلاء يسألون بعضهم البعض: هل نحن في اجتماع عالميّ أم في سلك ماسونيّ؟.. وكان الأخ جوزيف أفينال الأمين العام للعصبة”.
وكانت حكومة الولايات المتحدة قد رفضت أن تنضم لعصبة الأمم.. وكانت بعض المصالح وراء هذه السياسة الانعزالية.. وهكذا فقد تقرّر تحطيم عصبة الأمم، وإنشاء منظمة الأمم المتحدة مكانها.. وقد سنحت الفرصة بقيام الحرب العالمية الثانية.. وقد جمعت أشلاء عصبة الأمم علي أنقاضها بناءً جديدا، هو الأمم المتحدة، التي ضمت فيمن ضمت لدي تأسيسها الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة كأكثر الأعضاء قوة ونفوذا.. والدليل علي سيطرة القوي الخفية علي الأمم المتحدة وتمكنهم من تنفيذ مخططاتهم عبرها، هو أن الأمم المتحدة سلمت فلسطين إلي الصهيونية السياسية، بعد ما كان الصهيونيون يسعون وراء ذلك لمدة نصف قرن من الزمان.. كما أنها سلمت الصين وكوريا الشمالية ومنشوريا ومنغوليا وجزر الهند الشرقية وأجزاء من الهند الصينية إلي الشيوعيين.. وعلينا هنا أن نتذكر أن لينين كان قد تنبأ بأن القوات الشيوعية ستجتاح العالم الغربي من ناحية الشرق.
وقد كشف ضباط الاستخبارات الأمريكية والبريطانية، الدور الذي لعبه أصحاب المصارف العالميون في الثورة الروسية، ونقلوا ذلك إلي حكوماتهم.. وقد أصدرت الحكومة البريطانية في نيسان 1919 “كتابا أبيض” حول ذلك الموضوع.. وطمس الموضوع بسرعة، ولكنّ بعض الضرر كان قد لحق بالمؤامرة العالمية.. وهكذا وجهت أصابع الاتهام إلي أصحاب المصارف العالميين، تتهمهم بتمويل اليهودية العالمية، لتنفيذ مخططاتهم الهادفة إلي حكم العالم.. وكان علي أصحاب المصارف العالميين أن يجدوا وسيلة يردوا بها علي تلك الاتهامات والأفكار.. و تتجلي وحشيتهم في الرد علي هذه الاتهامات عندما اختير ستالين ـ وهو غير يهودي ـ لخلافة لينين، فأزاح تروتسكي من الطريق، وأخذ بتصفية مئات الألوف من اليهود الروس، في التطهيرات الشهيرة التي أوصلته إلي السلطة.. وهذا يكفي لإقناع المخلصين والمخدرين من الناس في أي مكان بأن المرابين العالميين لا يقيمون وزنا لجموع الشعب من أي دين أو عرق أو لون كانت، بل يعتبرونها أحجارا يمكن الاستغناء عنها في لعبة الشطرنج العالمية.

منقول عن :أحجار على رقعة الشطرنج .. وليم جاي كار

رؤية معتبرة للدكتور يوسف زيدان في الديمقراطية و محاولة لتلافي عيوبها تستحق التأمل و الانتباه

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله

د. يوسف زيدان يكتب: الآفاق المصيرية للثورة المصرية (١/٧) داءُ الديمقراطية ودواؤها

المصري اليوم 23-2-2011

 

أسوأُ أنظمة الحكم، النظامُ الديمقراطى.. كان ذلك هو رأى الفيلسوف اليونانى الشهير «أفلاطون» الذى يعدُّ أول مَنْ صنَّف أنواع الحكومات، وأول من وضع كتاباً مستقلاً فى السياسة وجعله بعنوان: الجمهورية، ولأننا اليوم نستشرف الآفاق المصيرية للثورة المصرية (الفريدة) التى انطلقت شرارتها يوم الخامس والعشرين من يناير، فإنه من المهم أن نتعرَّف على رأى أفلاطون وغيره من المفكرين والفلاسفة فى مسألة «الديمقراطية»، خاصةً أنها صارت المطلب الجماهيرى الأول فى مصر، فى أيامنا الحالية التى نستعدُّ فيها لإرساء دعائم «الجمهورية» الثانية.

وبعيداً عن التفسير الكوميدى الذى قدَّمه لنا معمَّر القذَّافى، بجدية، حين زعم مراراً أن كلمة «ديمقراطية» تعنى بحسب فهمه المضحك: ديمومة الكراسى! على اعتبار أنها بحسب وعيه القاصر، كلمةٌ عربية الأصل!.. بعيداً عن هذا التهريج، نقول: الصحيحُ والمشهور، أن كلمة «ديمقراطية» التى تكتب أيضاً «ديمقراطية» هى مفردة يونانية الأصل، تتألف من مقطعين هما: ديموس (الشعب، الناس) كراتيس (الحكم، نظام السلطة) وقد كان ظهورها واستعمالها على نطاق واسع، من قَبل «كتابة» اللغة العربية، ومن قبل انتشارها بزمان طويل.

وكان أفلاطون يرى أن الحكومات تتقلَّب بين عدة أشكالٍ ونُظُم، فمن «الديمقراطية» التى هى حكم الشعب لنفسه بنفسه، إلى «الديماجوجية» التى هى سيطرة العامة والدَّهْماء على الأمور السياسية العامة، إلى «الأوليجاركية»، حيث تلتقى مصالح السياسيين وأصحاب رؤوس الأموال فى المجتمع، فيجتمعون لسلب خيرات المجتمع ومصِّ دماء الناس..

وأسوأ تلك الأشكال، كلها، عند أفلاطون: النظام الديمقراطى، لأنه النظام الذى أصدر فى أثينا القديمة حُكماً بإعدام «سقراط» أستاذ أفلاطون المباشر، الذى كان متهماً بثلاث تهم غبية هى: إفساد عقول الشباب (بدعوتهم إلى التفكير) وعدم الإيمان بآلهة المدينة (مع أن كاهنة معبد دلفى قالت: سقراط أكثر الناس حكمةً) والتعاون مع أعداء البلاد (مع أن سقراط كان يجاهد فى الحرب دفاعاً عن بلاده).. وكان من الممكن لسقراط أن ينجو من حكم الإعدام، لو كان قد تملَّق المجلس «الديمقراطى» الذى يحاكمه، لكنه لم يفعل ذلك، بل استثارهم ضده، بقوله إنه لن يكفَّ عن دعوة الشباب للتفكير الحر، وإن الفيلسوف لا يخاف من الموت، لأن النفس الإنسانية خالدة.

وبالإضافة إلى هذا السبب (الشخصى) لرفض أفلاطون للديمقراطية، فإن هناك أسباباً أخرى «موضوعية» منها أن النظام الديمقراطى هو المضاد المباشر للنظام السياسى الذى كان أفلاطون يدعو إليه (بالأحرى: يحلم به) وهو حكم المستبد العادل الذى كان يسمِّيه «الحاكم الفيلسوف» ويسمِّى مدينته أو دولته المثالية «الجمهورية الفاضلة».. ولا يتَّسع المقام هنا لشرح هذه الفكرة الأفلاطونية، وليس مرادنا الآن تقديم فلسفة أفلاطون السياسية،

ولذلك فسوف نكتفى بما سبق، مع إشارةٍ أخيرة إلى اعتقادى بأن من أهم الأسباب «الموضوعية» لرفض أفلاطون للديمقراطية، أنها كانت فى زمانه (ديمقراطية مباشرة) بمعنى أن مجموعات من الشعب تحكم تباعاً، بشكل دورى، حتى ينال الجميع حقه فى الحكم، وقد كان من سوء الطالع، أن المجلس الديمقراطى الذى حكم على سقراط بالموت، كان معظمه من بسطاء الناس ومن الجهلة والعوام (مزارعين، دبَّاغى جلود.. إلخ) وهؤلاء ومن كانوا مثلهم، يسهل التأثير فيهم بالكلام الطنان الرنَّان، وهو ما كان «السوفسطائيون» يقومون به فى ذاك الزمان.

■ ■ ■

ومع تطور الفكر السياسى، انتقلت الديمقراطية من شكلها الأول (المباشر) إلى ما سوف يسمَّى لاحقاً بالديمقراطية النيابية، وهو النظام المعمول به فى معظم النظم السياسية المعاصرة، حيث يتم «انتخاب» مجموعة من النواب، يمثلون الشعب بشكل غير مباشر فى مجلس يسمَّى بأسماء مثل: مجلس العموم، مجلس النواب، مجلس الشعب، مجلس الأمة، البرلمان.. إلخ، وقد اخترعنا فى مصر أيام الرئيس السادات مجلساً آخر فيه نواب، وسميناه «مجلس الشورى»، وذلك فى محاولةٍ بائسة للمزج بين النظام السياسى الغربى (الديمقراطية) والنظام المشار إليه فى الإسلام (الشورى)، حيث وصف الله المسلمين فى القرآن الكريم بأن: أمرهم شورى بينهم.. فظن الجهلاء أن «الشورى» هى نظامٌ من أنظمة الحكم السياسى.

ومن الأمور اللافتة للأنظار، أن الممارسة الديمقراطية فى مصر قد تحوَّلت بعد سنة ١٩٥٢ إلى ممارسة مسرحيةٍ بائسة، فقد كان الرئيس عبد الناصر والذين حوله من (الضباط الأحرار) يرون أنه لا داعى أصلاً للأحزاب السياسية فى المجتمع المصرى، وهو الأمرُ الذى استعاره وابتذله: معمر القذَّافى.. وكانت انتخابات «مجلس الأمة» تتم بشكلٍ هزلىٍّ، وكذلك انتخابات رئاسة الجمهورية التى كان يحصل فيها الرئيس عبدالناصر على نسبة ٩٩.٩% من مجموع الأصوات، وهو الأمر الذى كان يدعو المصريين للتهامس، مازحين، بما لا حصر له من نِكاتٍ سياسية.

وفى زمن «الأحرار» من الضباط، اخترعت الحكومة المصرية فكرة فظيعة ذات مكياج ديمقراطى، هى أن يكون خمسون بالمائة من النواب (عمالاً وفلاحين) على اعتبار أن هؤلاء يدينون بالولاء بالضرورة، للحكومة التى نزعت الأراضى الزراعية من مُلاكها الإقطاعيين (مع أن مصر لم تعرف نظام الإقطاع طيلة تاريخها) وأعطتها لصغار المزارعين، كما أمَّمت المصانع والشركات الكبرى وجعلتها ملكاً للعمال الكادحين فيها، بأن صرفت لهم ما يُسمَّى الحوافز والمكافآت (التى كانت تُصرف أيضاً للشركات والمصانع الخاسرة التى لم تحقق أصلاً أىَّ أرباح)..

ومن هذا السياق السياسى، برز دور الغوغائية «الديماجوجية» ليس فقط على مستوى الناخب الجاهل ذى الوعى الغائب، وإنما أيضاً على مستوى النواب المنتخبين الذين كان نصفهم من الجهلة وغير المتعلمين، ومعروفٌ أن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة، بمعنى أن الأداء السياسى (المحترم) لا يستطيع أن يقاوم هذا التيار الغوغائى من الناخبين والمرشَّحين، فلا يبقى بإمكانه إلا التراجع والانسحاب من ساحةٍ سياسيةٍ كان يُهان فيها فقهاء القانون، ويُعتقل المثقفون، ويُخرس الناس على أساس أنه: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.. ومع ذلك، خسرنا فى زمن الضباط الأحرار كلَّ المعارك.

وعندما أنشأ الرئيس السادات ما سُمِّى «أحزاب المعارضة» جرى الأمر (الديمقراطى) فى مصر على نحوٍ أكثر بؤساً، وظهر فى تاريخنا السياسى، الدور المحورى للجماعة المسماة اليوم (البلطجية) وقد رأيتهم فى صغرى، فى الإسكندرية، وهم يشقُّون بالمطواة وجه المرشَّح اليسارى «أبوالعز الحريرى» الذى تجرَّأ الناسُ على الحكومة وأعطوه أصواتهم، فصار نائباً للشعب، على الرغم مما بذلته الحكومة آنذاك لتشويه صورة اليسار والماركسية.. أتذكَّر الآن أنهم كانوا يمرون بنا يقولون لنا، على نواصى الشوارع والحارات، إن اليساريين والماركسيين هم جماعة يضاجعون أخواتهم، ويريدون للناس أن يفعلوا مثلهم .

ورويداً، ازدادت سطوة هؤلاء «البلطجية» وصارت لهم مؤسسة غير نظامية تتصل اتصالاً وثيقاً بالكيان السياسى والاقتصادى المصرى، وقد سمعنا الرئيس حسنى مبارك قبل سنوات، فى خطابٍ رئاسىٍّ عام، يدعو رجال الأعمال إلى عدم الاعتماد على (الفتوَّات) فى تحقيق مصالحهم! وبالطبع، لم يستمع أحدٌ من (رجال الأعمال) إلى هذه الدعوة، وإنما أصغوا إليها على قاعدة (قالوا سمعنا وعصينا) لأنهم كانوا يدركون أن هذه الدعوة لا تعدو كونها (مكياجاً ديمقراطياً) وليس من الممكن الاستغناء سياسياً أو اقتصادياً عن هؤلاء الفتوَّات أو البلطجية، وهو الأمر الذى ظهر جلياً فى الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب، حيث تناقلت الصحف المصرية علانيةً، صور الفتوات والبلطجية وهم يتحكمون فى مقار اللجان الانتخابية، لضمان فوز حزب الحكومة على الأحزاب (الهيكلية) التى كانت الحكومة تستكمل بها المكياج الديمقراطى، وكأن العملية الانتخابية ليست إلا مسرحية هزلية.

■ ■ ■

وفور انفجار الثورة المصرية، وفوران الشباب ثم بقية المصريين يوم الخامس والعشرين، ظنَّت الحكومة المخلوعة أن الأمر هَـيِّنٌ (وهو ما تظنه اليوم حكومة ليبيا، واليمن) فلجأت إلى المعتاد من السُّبل والحيل: ادِّعاء الشرعية، الكلام باسم الأغلبية، إطلاق البلطجية.. وقد خاب المسعى الحكومى، بعد عنت ومعاناة، وتحرَّر الشعب المصرى أخيراً من سطوة الستين عاماً الضباطية الأحرارية (حسبما أرجو)، وراح يستشرف الآفاق المصيرية للثورة المصرية، ومن بينها الأفق السياسى الذى يرتبط ارتباطاً وثيقاً، بالديمقراطية التى صارت للشعب المصرى بمنـزلة (حُلم) قريب المنال.

■ ■ ■

وتحقيق الحلم الديمقراطى فى مصر، بحسب الصورة المثلى للديمقراطية، لا بد أن يقترن فى المرحلة المقبلة بتصوُّرات ثورية، تتواءم مع الروح الثورية السارية الآن فى أنحاء مصر (ومن أروعها مجموعات الشباب الذين ينظِّمون المرور وينظفون الشوارع ويدهنون حوائط البنايات) وتتلاءم مع المفهوم المتطور للديمقراطية التى لم تعد مقصورة على صورتها البدائية «حُكم الشعب نفسه بنفسه» أو حتى صورتها النيابية التقليدية.. بعبارةٍ موجزة: لا بد من عقل جديد لعالم جديد، يمعن النظر فى مفهوم (الديمقراطية) ويعرف داءها العضال (هيمنة الغوغاء) ويعالجها بالدواء المناسب. وفى هذا الصدد، سوف أطرح ما أراه صواباً (وقد أكون مخطئاً) بالنسبة للمسار الديمقراطى القادم.. وسوف أجعل ذلك على ثلاثة محاور، الأول منها يتعلق بالناخبين، والثانى بالمرشحين، والثالث بالروح الديمقراطية الحرة.. فأقول فى ذلك، وبالله التوفيق:

أما الناخبون فقد فسد الوعى السياسى عند معظمهم فى العقود الأخيرة، لأنهم اعتادوا الأعمال غير المقبولة التى من نوع: اختيار المرشح لاعتباراتٍ عائلية وعِرقية، إعطاء الأصوات مقابل مبالغ مالية أو خدمات مباشرة، اعتياد الانصياع لقادة الرأى والزعماء الدينيين، الميل إلى التموضع الزائف للأدوار (كاختيار لاعب الكرة نائباً).. وغير ذلك من الأمور التى يحتاج علاجها وقتاً مناسباً، لإرساء دعائم الوعى السياسى عند جمهور الناخبين.

وبالإضافة إلى ما سبق، فإن وجود الملايين من المصريين فى دائرة (الأمية) يجعل حُكم هؤلاء على الناخبين، مرتبطاً بالأُمية التعليمية والأُمية السياسية، ومع أننى أعرف أن البعض ممن لم ينالوا قسطاً من التعليم، هم أكثر ذكاءً وحكمةً من المتعلِّمين؛ إلا أن نسبة هؤلاء تظل قليلة بل نادرة، والنادر لا يُقاس عليه. ومن هنا، أقترح أن يكون حق الإدلاء بالأصوات فى الانتخابات القادمة (أو للدورتين القادمتين) مقصوراً على الذين حصلوا على نصيب مقبول من التعليم، هو اجتياز المرحلة الثانوية، لأن هؤلاء سيكونون نسبياً: أرشدَ رأياً من العوام، وأقل انصياعاً منهم لمغريات الرِّشوة ومرعبات البلطجة.

ولا أظنُّ أن عدد الذين اجتازوا هذه المرحلة التعليمية ( الدبلوم، الثانوية العامة) فى مصر، يقل اليوم عن عشرين مليوناً، ومن ثم، فإن وفرة العدد فى هؤلاء، سوف تجعل المسألة الانتخابية أكثر رُشداً وتوفيقاً من كونها متاحةً للملايين الأخرى من غير المتعلِّمين والمتعلِّمات، على أن يصير الأمر بعد الدورة الانتخابية القادمة مفتوحاً أمام الجميع، ممن سيتراكم وعيهم السياسى بشكل تلقائى بعد دورةٍ انتخابية أو دورتين.

وربما يكون الاقتراح السابق قاسياً على عموم المصريين، ممن لا ينطبق عليهم الشرط المذكور، نظراً إلى حماسهم الجديد للمشاركة فى العملية السياسية (وهذا على كل حال، حقهم) وهنا يمكن الاستعاضة عما سبق، باقتراحٍ آخر يقضى بتجريم التعامل المالى أو الخدمى، خلال الفترات الانتخابية، وتغليظ عقوبة (بيع الأصوات)، مع اعتبار أنها جريمة تشاركية، يتساوى فى وجوب عقابها الناخب والمرشَّح، أو المرتشى والراشى .

■ ■ ■

وأما المرشحون، فلابد ابتداءً من الإلغاء الفورى لهذا المبدأ الكوميدى البائس «خمسون بالمائة عمال وفلاحون»، لأن العمال الواجب عليهم أن يعملوا، والفلاحون عليهم أن يفلحوا! وليس على أولئك أو هؤلاء، أن يتصدروا المشهد السياسى. وإلا، عادت الديمقراطية إلى الحالة الأولى التى أعدمت سقراط، وجعلت أفلاطون يصف الديمقراطية بأنها أسوأ أنواع الحكم السياسى.

وربما يقول أحدهم إن مسألة الخمسين بالمائة هذه، هى مجرد مسألةٍ شكليةٍ ليست لها فى واقع الأمر موضعٌ، بدليل أن معظم الذين يتقدمون للترشيح فى مقاعد العمال والفلاحين، هم من غير العمال والفلاحين! وقد رأينا بينهم اللواءات السابقين، وحَمَلة الشهادات الجامعية، وأصحاب الأعمال ورؤوس الأموال.. ولهذا القائل نقول: فلماذا إذن هذا الخداع، واللف والدوران، ما دمنا بصدد إرساء القواعد الواقعية (الرشيدة) للعملية السياسية، تلافياً للوقوع مرةً أخرى فى أحابيل وحيل المرحلة السابقة؟

ويرتبط بما سبق، فيما أرى، أن يقتصر الترشيح للبرلمان الجديد على أولئك الذين حصلوا على درجات جامعية، فليس من المعقول أن تتم العملية السياسية فى المرحلة القادمة (المرجوَّة) بنوَّابٍ لم يُتِمُّوا تعليمهم، ثم نزعم من بعد ذلك أننا نعيش «عصر العلم» وأننا نسعى للِّحاق بركب «المعرفة المعاصرة» وأننا نحن المصريين «أصل الحضارة».. إلى آخر هذه الشعارات الجوفاء.

وحسبما أوضحت لنا الأيامُ والسنواتُ الأخيرة، فإن «الأحزاب» المصرية، المعارضة منها والموافقة، كانت مجرد كيانات شكلية هيكلية، لم تهدف إلا للمكياج والعهر السياسى (بالمناسبة، فإن المقابل العربى الفصيح لقولنا مكياج، هو: الزينة أو التبرُّج) ولذلك، فإن مرشحى الانتخابات القادمة، لا يجب أن يتقدَّموا باعتبارهم ممثلين لأحزاب.. لأن الأحزاب المصرية (الحالية) تحتاج فترةً مناسبةً لإعادة التأهيل الذاتى الممهِّد للعمل السياسى الرشيد. وإلى أن يتم ذلك، لا أرى معنى للادِّعاء بأن هذا المرشَّح أو ذاك، هو ممثل لهذا الحزب أو ذاك.. ولا يعنى ذلك بالطبع، التقليل من أهمية الأحزاب السياسية، بل على العكس، هو تأكيد لأهميتها وضرورة بنائها من جديدٍ على نحو (مستقل) لا يرتبط بالسلطة السائدة التى كانت دوماً، تفرض (إطار) المعارضة، وشكلها. بعبارة أخرى: إلى أن تصير فى بلادنا أحزابٌ حرة.

ويتصل بما سبق، اقتراحٌ حازمٌ بدعوة الجهات الدولية للإشراف على الانتخابات القادمة، من دون التنطُّع عند الحجج الحكومية (المخلوعة) الزاعمة أن ذلك فيه انتقاص من سيادة مصر .. فسيادة مصر تتحقق أولاً بالانتخابات النـزيهة، وبقدرتنا على تحقيق أعلى قدر من الشفافية، وبحرصنا على فتح النوافذ على الأنحاء كلها من غير تردُّد ولا خوف.

ولابد، فيما أرى، أن تكون لدينا لجنة من حكماء القضاة وكبار المستشارين، ممن لا صلة لهم بالمرشحين من قريب أو بعيد، وممن يشهد لهم الناس بالأمانة والاستقامة، وعلى هذه اللجنة مراقبة العملية الانتخابية، قبل يوم الانتخاب الذى يجرى بإشراف القضاء (لا الشرطة) بحيث يكون من حق اللجنة أن تحذف من قائمة المرشحين، كل من يحاول شراء الأصوات بالمال أو الخدمات أو الرشاوى المقنعة .

ولا بد ، فيما أرى، أن تتحقق فى المتقدِّم للترشيح النيابى أو الرئاسى، شروط إضافية، منها: ألا يكون قد حصل على جنسية أخرى، وأن يكون قد قضى السنوات الخمس السابقة على ترشُّحه، فى مصر (حتى يمكنه إدراك طبيعة المجتمع الذى سيقوم بتمثيله) وألا يكون لواءً سابقاً فى شرطةٍ أو جيش.. فقد شبعت بلادنا من هؤلاء طيلة الخمسين سنة الماضية.

■ ■ ■

وأما الروح الديمقراطية الحقَّة، فالمقصود منها هو الحرص على إشاعة (المبادئ) و(الممارسات) الديمقراطية فى المجتمع عموماً، وليس فقط فى السياق السياسى، فمن هذه المبادئ: احترام رأى الأغلبية، والحرص على الأقلية وحمايتها (لأن الرأى المعارض يرشِّد الرأى السائد) والإقرارُ بأن الاختلاف والتنوع والاعتراض، هى أمورٌ إنسانية إذا غابت عن الجماعة، غاب الطابعُ الإنسانى الضامن لبقائها ولحريتها ولمستقبلها.

ومن «الممارسات الديمقراطية» غير السياسية، التى أرجو أن تشيع فى مصر الأيام القادمة، أن يكفَّ الآباء والأمهات عن قهر آراء أبنائهم، وأن يدركوا الحقيقة البسيطة القائلة إن الأبناء خُلقوا لزمنٍ غير زمن آبائهم. وأن تكفَّ الحكومة عن تعيين أولئك الذين يجب أن ينتخبهم العاملون تحت إدارتهم، مثل: رؤساء المؤسسات الدينية، عمداء الكليات ورؤساء الجامعات، رؤساء الشركات.. والأهمُّ من هؤلاء: المحافظون.

لن أزيد على ما سبق، كيلا تقود قلمى الأحلامُ المستحيلة.. فقد قال محمود درويش فى قصيدةٍ له: إن مَنْ يُسرف فى الحلم قد يفقد الذاكرة.