إن إريد الإصلاح إلا ما استطعت _ تأملات في أحوال الأمة و العالم

رؤية معتبرة للدكتور يوسف زيدان في الديمقراطية و محاولة لتلافي عيوبها تستحق التأمل و الانتباه

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله

د. يوسف زيدان يكتب: الآفاق المصيرية للثورة المصرية (١/٧) داءُ الديمقراطية ودواؤها

المصري اليوم 23-2-2011

 

أسوأُ أنظمة الحكم، النظامُ الديمقراطى.. كان ذلك هو رأى الفيلسوف اليونانى الشهير «أفلاطون» الذى يعدُّ أول مَنْ صنَّف أنواع الحكومات، وأول من وضع كتاباً مستقلاً فى السياسة وجعله بعنوان: الجمهورية، ولأننا اليوم نستشرف الآفاق المصيرية للثورة المصرية (الفريدة) التى انطلقت شرارتها يوم الخامس والعشرين من يناير، فإنه من المهم أن نتعرَّف على رأى أفلاطون وغيره من المفكرين والفلاسفة فى مسألة «الديمقراطية»، خاصةً أنها صارت المطلب الجماهيرى الأول فى مصر، فى أيامنا الحالية التى نستعدُّ فيها لإرساء دعائم «الجمهورية» الثانية.

وبعيداً عن التفسير الكوميدى الذى قدَّمه لنا معمَّر القذَّافى، بجدية، حين زعم مراراً أن كلمة «ديمقراطية» تعنى بحسب فهمه المضحك: ديمومة الكراسى! على اعتبار أنها بحسب وعيه القاصر، كلمةٌ عربية الأصل!.. بعيداً عن هذا التهريج، نقول: الصحيحُ والمشهور، أن كلمة «ديمقراطية» التى تكتب أيضاً «ديمقراطية» هى مفردة يونانية الأصل، تتألف من مقطعين هما: ديموس (الشعب، الناس) كراتيس (الحكم، نظام السلطة) وقد كان ظهورها واستعمالها على نطاق واسع، من قَبل «كتابة» اللغة العربية، ومن قبل انتشارها بزمان طويل.

وكان أفلاطون يرى أن الحكومات تتقلَّب بين عدة أشكالٍ ونُظُم، فمن «الديمقراطية» التى هى حكم الشعب لنفسه بنفسه، إلى «الديماجوجية» التى هى سيطرة العامة والدَّهْماء على الأمور السياسية العامة، إلى «الأوليجاركية»، حيث تلتقى مصالح السياسيين وأصحاب رؤوس الأموال فى المجتمع، فيجتمعون لسلب خيرات المجتمع ومصِّ دماء الناس..

وأسوأ تلك الأشكال، كلها، عند أفلاطون: النظام الديمقراطى، لأنه النظام الذى أصدر فى أثينا القديمة حُكماً بإعدام «سقراط» أستاذ أفلاطون المباشر، الذى كان متهماً بثلاث تهم غبية هى: إفساد عقول الشباب (بدعوتهم إلى التفكير) وعدم الإيمان بآلهة المدينة (مع أن كاهنة معبد دلفى قالت: سقراط أكثر الناس حكمةً) والتعاون مع أعداء البلاد (مع أن سقراط كان يجاهد فى الحرب دفاعاً عن بلاده).. وكان من الممكن لسقراط أن ينجو من حكم الإعدام، لو كان قد تملَّق المجلس «الديمقراطى» الذى يحاكمه، لكنه لم يفعل ذلك، بل استثارهم ضده، بقوله إنه لن يكفَّ عن دعوة الشباب للتفكير الحر، وإن الفيلسوف لا يخاف من الموت، لأن النفس الإنسانية خالدة.

وبالإضافة إلى هذا السبب (الشخصى) لرفض أفلاطون للديمقراطية، فإن هناك أسباباً أخرى «موضوعية» منها أن النظام الديمقراطى هو المضاد المباشر للنظام السياسى الذى كان أفلاطون يدعو إليه (بالأحرى: يحلم به) وهو حكم المستبد العادل الذى كان يسمِّيه «الحاكم الفيلسوف» ويسمِّى مدينته أو دولته المثالية «الجمهورية الفاضلة».. ولا يتَّسع المقام هنا لشرح هذه الفكرة الأفلاطونية، وليس مرادنا الآن تقديم فلسفة أفلاطون السياسية،

ولذلك فسوف نكتفى بما سبق، مع إشارةٍ أخيرة إلى اعتقادى بأن من أهم الأسباب «الموضوعية» لرفض أفلاطون للديمقراطية، أنها كانت فى زمانه (ديمقراطية مباشرة) بمعنى أن مجموعات من الشعب تحكم تباعاً، بشكل دورى، حتى ينال الجميع حقه فى الحكم، وقد كان من سوء الطالع، أن المجلس الديمقراطى الذى حكم على سقراط بالموت، كان معظمه من بسطاء الناس ومن الجهلة والعوام (مزارعين، دبَّاغى جلود.. إلخ) وهؤلاء ومن كانوا مثلهم، يسهل التأثير فيهم بالكلام الطنان الرنَّان، وهو ما كان «السوفسطائيون» يقومون به فى ذاك الزمان.

■ ■ ■

ومع تطور الفكر السياسى، انتقلت الديمقراطية من شكلها الأول (المباشر) إلى ما سوف يسمَّى لاحقاً بالديمقراطية النيابية، وهو النظام المعمول به فى معظم النظم السياسية المعاصرة، حيث يتم «انتخاب» مجموعة من النواب، يمثلون الشعب بشكل غير مباشر فى مجلس يسمَّى بأسماء مثل: مجلس العموم، مجلس النواب، مجلس الشعب، مجلس الأمة، البرلمان.. إلخ، وقد اخترعنا فى مصر أيام الرئيس السادات مجلساً آخر فيه نواب، وسميناه «مجلس الشورى»، وذلك فى محاولةٍ بائسة للمزج بين النظام السياسى الغربى (الديمقراطية) والنظام المشار إليه فى الإسلام (الشورى)، حيث وصف الله المسلمين فى القرآن الكريم بأن: أمرهم شورى بينهم.. فظن الجهلاء أن «الشورى» هى نظامٌ من أنظمة الحكم السياسى.

ومن الأمور اللافتة للأنظار، أن الممارسة الديمقراطية فى مصر قد تحوَّلت بعد سنة ١٩٥٢ إلى ممارسة مسرحيةٍ بائسة، فقد كان الرئيس عبد الناصر والذين حوله من (الضباط الأحرار) يرون أنه لا داعى أصلاً للأحزاب السياسية فى المجتمع المصرى، وهو الأمرُ الذى استعاره وابتذله: معمر القذَّافى.. وكانت انتخابات «مجلس الأمة» تتم بشكلٍ هزلىٍّ، وكذلك انتخابات رئاسة الجمهورية التى كان يحصل فيها الرئيس عبدالناصر على نسبة ٩٩.٩% من مجموع الأصوات، وهو الأمر الذى كان يدعو المصريين للتهامس، مازحين، بما لا حصر له من نِكاتٍ سياسية.

وفى زمن «الأحرار» من الضباط، اخترعت الحكومة المصرية فكرة فظيعة ذات مكياج ديمقراطى، هى أن يكون خمسون بالمائة من النواب (عمالاً وفلاحين) على اعتبار أن هؤلاء يدينون بالولاء بالضرورة، للحكومة التى نزعت الأراضى الزراعية من مُلاكها الإقطاعيين (مع أن مصر لم تعرف نظام الإقطاع طيلة تاريخها) وأعطتها لصغار المزارعين، كما أمَّمت المصانع والشركات الكبرى وجعلتها ملكاً للعمال الكادحين فيها، بأن صرفت لهم ما يُسمَّى الحوافز والمكافآت (التى كانت تُصرف أيضاً للشركات والمصانع الخاسرة التى لم تحقق أصلاً أىَّ أرباح)..

ومن هذا السياق السياسى، برز دور الغوغائية «الديماجوجية» ليس فقط على مستوى الناخب الجاهل ذى الوعى الغائب، وإنما أيضاً على مستوى النواب المنتخبين الذين كان نصفهم من الجهلة وغير المتعلمين، ومعروفٌ أن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة، بمعنى أن الأداء السياسى (المحترم) لا يستطيع أن يقاوم هذا التيار الغوغائى من الناخبين والمرشَّحين، فلا يبقى بإمكانه إلا التراجع والانسحاب من ساحةٍ سياسيةٍ كان يُهان فيها فقهاء القانون، ويُعتقل المثقفون، ويُخرس الناس على أساس أنه: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.. ومع ذلك، خسرنا فى زمن الضباط الأحرار كلَّ المعارك.

وعندما أنشأ الرئيس السادات ما سُمِّى «أحزاب المعارضة» جرى الأمر (الديمقراطى) فى مصر على نحوٍ أكثر بؤساً، وظهر فى تاريخنا السياسى، الدور المحورى للجماعة المسماة اليوم (البلطجية) وقد رأيتهم فى صغرى، فى الإسكندرية، وهم يشقُّون بالمطواة وجه المرشَّح اليسارى «أبوالعز الحريرى» الذى تجرَّأ الناسُ على الحكومة وأعطوه أصواتهم، فصار نائباً للشعب، على الرغم مما بذلته الحكومة آنذاك لتشويه صورة اليسار والماركسية.. أتذكَّر الآن أنهم كانوا يمرون بنا يقولون لنا، على نواصى الشوارع والحارات، إن اليساريين والماركسيين هم جماعة يضاجعون أخواتهم، ويريدون للناس أن يفعلوا مثلهم .

ورويداً، ازدادت سطوة هؤلاء «البلطجية» وصارت لهم مؤسسة غير نظامية تتصل اتصالاً وثيقاً بالكيان السياسى والاقتصادى المصرى، وقد سمعنا الرئيس حسنى مبارك قبل سنوات، فى خطابٍ رئاسىٍّ عام، يدعو رجال الأعمال إلى عدم الاعتماد على (الفتوَّات) فى تحقيق مصالحهم! وبالطبع، لم يستمع أحدٌ من (رجال الأعمال) إلى هذه الدعوة، وإنما أصغوا إليها على قاعدة (قالوا سمعنا وعصينا) لأنهم كانوا يدركون أن هذه الدعوة لا تعدو كونها (مكياجاً ديمقراطياً) وليس من الممكن الاستغناء سياسياً أو اقتصادياً عن هؤلاء الفتوَّات أو البلطجية، وهو الأمر الذى ظهر جلياً فى الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب، حيث تناقلت الصحف المصرية علانيةً، صور الفتوات والبلطجية وهم يتحكمون فى مقار اللجان الانتخابية، لضمان فوز حزب الحكومة على الأحزاب (الهيكلية) التى كانت الحكومة تستكمل بها المكياج الديمقراطى، وكأن العملية الانتخابية ليست إلا مسرحية هزلية.

■ ■ ■

وفور انفجار الثورة المصرية، وفوران الشباب ثم بقية المصريين يوم الخامس والعشرين، ظنَّت الحكومة المخلوعة أن الأمر هَـيِّنٌ (وهو ما تظنه اليوم حكومة ليبيا، واليمن) فلجأت إلى المعتاد من السُّبل والحيل: ادِّعاء الشرعية، الكلام باسم الأغلبية، إطلاق البلطجية.. وقد خاب المسعى الحكومى، بعد عنت ومعاناة، وتحرَّر الشعب المصرى أخيراً من سطوة الستين عاماً الضباطية الأحرارية (حسبما أرجو)، وراح يستشرف الآفاق المصيرية للثورة المصرية، ومن بينها الأفق السياسى الذى يرتبط ارتباطاً وثيقاً، بالديمقراطية التى صارت للشعب المصرى بمنـزلة (حُلم) قريب المنال.

■ ■ ■

وتحقيق الحلم الديمقراطى فى مصر، بحسب الصورة المثلى للديمقراطية، لا بد أن يقترن فى المرحلة المقبلة بتصوُّرات ثورية، تتواءم مع الروح الثورية السارية الآن فى أنحاء مصر (ومن أروعها مجموعات الشباب الذين ينظِّمون المرور وينظفون الشوارع ويدهنون حوائط البنايات) وتتلاءم مع المفهوم المتطور للديمقراطية التى لم تعد مقصورة على صورتها البدائية «حُكم الشعب نفسه بنفسه» أو حتى صورتها النيابية التقليدية.. بعبارةٍ موجزة: لا بد من عقل جديد لعالم جديد، يمعن النظر فى مفهوم (الديمقراطية) ويعرف داءها العضال (هيمنة الغوغاء) ويعالجها بالدواء المناسب. وفى هذا الصدد، سوف أطرح ما أراه صواباً (وقد أكون مخطئاً) بالنسبة للمسار الديمقراطى القادم.. وسوف أجعل ذلك على ثلاثة محاور، الأول منها يتعلق بالناخبين، والثانى بالمرشحين، والثالث بالروح الديمقراطية الحرة.. فأقول فى ذلك، وبالله التوفيق:

أما الناخبون فقد فسد الوعى السياسى عند معظمهم فى العقود الأخيرة، لأنهم اعتادوا الأعمال غير المقبولة التى من نوع: اختيار المرشح لاعتباراتٍ عائلية وعِرقية، إعطاء الأصوات مقابل مبالغ مالية أو خدمات مباشرة، اعتياد الانصياع لقادة الرأى والزعماء الدينيين، الميل إلى التموضع الزائف للأدوار (كاختيار لاعب الكرة نائباً).. وغير ذلك من الأمور التى يحتاج علاجها وقتاً مناسباً، لإرساء دعائم الوعى السياسى عند جمهور الناخبين.

وبالإضافة إلى ما سبق، فإن وجود الملايين من المصريين فى دائرة (الأمية) يجعل حُكم هؤلاء على الناخبين، مرتبطاً بالأُمية التعليمية والأُمية السياسية، ومع أننى أعرف أن البعض ممن لم ينالوا قسطاً من التعليم، هم أكثر ذكاءً وحكمةً من المتعلِّمين؛ إلا أن نسبة هؤلاء تظل قليلة بل نادرة، والنادر لا يُقاس عليه. ومن هنا، أقترح أن يكون حق الإدلاء بالأصوات فى الانتخابات القادمة (أو للدورتين القادمتين) مقصوراً على الذين حصلوا على نصيب مقبول من التعليم، هو اجتياز المرحلة الثانوية، لأن هؤلاء سيكونون نسبياً: أرشدَ رأياً من العوام، وأقل انصياعاً منهم لمغريات الرِّشوة ومرعبات البلطجة.

ولا أظنُّ أن عدد الذين اجتازوا هذه المرحلة التعليمية ( الدبلوم، الثانوية العامة) فى مصر، يقل اليوم عن عشرين مليوناً، ومن ثم، فإن وفرة العدد فى هؤلاء، سوف تجعل المسألة الانتخابية أكثر رُشداً وتوفيقاً من كونها متاحةً للملايين الأخرى من غير المتعلِّمين والمتعلِّمات، على أن يصير الأمر بعد الدورة الانتخابية القادمة مفتوحاً أمام الجميع، ممن سيتراكم وعيهم السياسى بشكل تلقائى بعد دورةٍ انتخابية أو دورتين.

وربما يكون الاقتراح السابق قاسياً على عموم المصريين، ممن لا ينطبق عليهم الشرط المذكور، نظراً إلى حماسهم الجديد للمشاركة فى العملية السياسية (وهذا على كل حال، حقهم) وهنا يمكن الاستعاضة عما سبق، باقتراحٍ آخر يقضى بتجريم التعامل المالى أو الخدمى، خلال الفترات الانتخابية، وتغليظ عقوبة (بيع الأصوات)، مع اعتبار أنها جريمة تشاركية، يتساوى فى وجوب عقابها الناخب والمرشَّح، أو المرتشى والراشى .

■ ■ ■

وأما المرشحون، فلابد ابتداءً من الإلغاء الفورى لهذا المبدأ الكوميدى البائس «خمسون بالمائة عمال وفلاحون»، لأن العمال الواجب عليهم أن يعملوا، والفلاحون عليهم أن يفلحوا! وليس على أولئك أو هؤلاء، أن يتصدروا المشهد السياسى. وإلا، عادت الديمقراطية إلى الحالة الأولى التى أعدمت سقراط، وجعلت أفلاطون يصف الديمقراطية بأنها أسوأ أنواع الحكم السياسى.

وربما يقول أحدهم إن مسألة الخمسين بالمائة هذه، هى مجرد مسألةٍ شكليةٍ ليست لها فى واقع الأمر موضعٌ، بدليل أن معظم الذين يتقدمون للترشيح فى مقاعد العمال والفلاحين، هم من غير العمال والفلاحين! وقد رأينا بينهم اللواءات السابقين، وحَمَلة الشهادات الجامعية، وأصحاب الأعمال ورؤوس الأموال.. ولهذا القائل نقول: فلماذا إذن هذا الخداع، واللف والدوران، ما دمنا بصدد إرساء القواعد الواقعية (الرشيدة) للعملية السياسية، تلافياً للوقوع مرةً أخرى فى أحابيل وحيل المرحلة السابقة؟

ويرتبط بما سبق، فيما أرى، أن يقتصر الترشيح للبرلمان الجديد على أولئك الذين حصلوا على درجات جامعية، فليس من المعقول أن تتم العملية السياسية فى المرحلة القادمة (المرجوَّة) بنوَّابٍ لم يُتِمُّوا تعليمهم، ثم نزعم من بعد ذلك أننا نعيش «عصر العلم» وأننا نسعى للِّحاق بركب «المعرفة المعاصرة» وأننا نحن المصريين «أصل الحضارة».. إلى آخر هذه الشعارات الجوفاء.

وحسبما أوضحت لنا الأيامُ والسنواتُ الأخيرة، فإن «الأحزاب» المصرية، المعارضة منها والموافقة، كانت مجرد كيانات شكلية هيكلية، لم تهدف إلا للمكياج والعهر السياسى (بالمناسبة، فإن المقابل العربى الفصيح لقولنا مكياج، هو: الزينة أو التبرُّج) ولذلك، فإن مرشحى الانتخابات القادمة، لا يجب أن يتقدَّموا باعتبارهم ممثلين لأحزاب.. لأن الأحزاب المصرية (الحالية) تحتاج فترةً مناسبةً لإعادة التأهيل الذاتى الممهِّد للعمل السياسى الرشيد. وإلى أن يتم ذلك، لا أرى معنى للادِّعاء بأن هذا المرشَّح أو ذاك، هو ممثل لهذا الحزب أو ذاك.. ولا يعنى ذلك بالطبع، التقليل من أهمية الأحزاب السياسية، بل على العكس، هو تأكيد لأهميتها وضرورة بنائها من جديدٍ على نحو (مستقل) لا يرتبط بالسلطة السائدة التى كانت دوماً، تفرض (إطار) المعارضة، وشكلها. بعبارة أخرى: إلى أن تصير فى بلادنا أحزابٌ حرة.

ويتصل بما سبق، اقتراحٌ حازمٌ بدعوة الجهات الدولية للإشراف على الانتخابات القادمة، من دون التنطُّع عند الحجج الحكومية (المخلوعة) الزاعمة أن ذلك فيه انتقاص من سيادة مصر .. فسيادة مصر تتحقق أولاً بالانتخابات النـزيهة، وبقدرتنا على تحقيق أعلى قدر من الشفافية، وبحرصنا على فتح النوافذ على الأنحاء كلها من غير تردُّد ولا خوف.

ولابد، فيما أرى، أن تكون لدينا لجنة من حكماء القضاة وكبار المستشارين، ممن لا صلة لهم بالمرشحين من قريب أو بعيد، وممن يشهد لهم الناس بالأمانة والاستقامة، وعلى هذه اللجنة مراقبة العملية الانتخابية، قبل يوم الانتخاب الذى يجرى بإشراف القضاء (لا الشرطة) بحيث يكون من حق اللجنة أن تحذف من قائمة المرشحين، كل من يحاول شراء الأصوات بالمال أو الخدمات أو الرشاوى المقنعة .

ولا بد ، فيما أرى، أن تتحقق فى المتقدِّم للترشيح النيابى أو الرئاسى، شروط إضافية، منها: ألا يكون قد حصل على جنسية أخرى، وأن يكون قد قضى السنوات الخمس السابقة على ترشُّحه، فى مصر (حتى يمكنه إدراك طبيعة المجتمع الذى سيقوم بتمثيله) وألا يكون لواءً سابقاً فى شرطةٍ أو جيش.. فقد شبعت بلادنا من هؤلاء طيلة الخمسين سنة الماضية.

■ ■ ■

وأما الروح الديمقراطية الحقَّة، فالمقصود منها هو الحرص على إشاعة (المبادئ) و(الممارسات) الديمقراطية فى المجتمع عموماً، وليس فقط فى السياق السياسى، فمن هذه المبادئ: احترام رأى الأغلبية، والحرص على الأقلية وحمايتها (لأن الرأى المعارض يرشِّد الرأى السائد) والإقرارُ بأن الاختلاف والتنوع والاعتراض، هى أمورٌ إنسانية إذا غابت عن الجماعة، غاب الطابعُ الإنسانى الضامن لبقائها ولحريتها ولمستقبلها.

ومن «الممارسات الديمقراطية» غير السياسية، التى أرجو أن تشيع فى مصر الأيام القادمة، أن يكفَّ الآباء والأمهات عن قهر آراء أبنائهم، وأن يدركوا الحقيقة البسيطة القائلة إن الأبناء خُلقوا لزمنٍ غير زمن آبائهم. وأن تكفَّ الحكومة عن تعيين أولئك الذين يجب أن ينتخبهم العاملون تحت إدارتهم، مثل: رؤساء المؤسسات الدينية، عمداء الكليات ورؤساء الجامعات، رؤساء الشركات.. والأهمُّ من هؤلاء: المحافظون.

لن أزيد على ما سبق، كيلا تقود قلمى الأحلامُ المستحيلة.. فقد قال محمود درويش فى قصيدةٍ له: إن مَنْ يُسرف فى الحلم قد يفقد الذاكرة.

Advertisements

One response

  1. ما يقترحه د. يوسف زيدان هو محاولة لتلافي عيوب الديمقراطية و ما يمكن توجيهه إليها من نقد معتبر و له وجاهته .. أهم أوجه هذا النقد : 1- أنه لا يمكن للعوام أن يتصدروا لسياسة المجتمع لأن هذا الأمر لابد أن يقتصر على من له دراية و علم بما يصلح المجتمع في جميع مناحي الحياة فيه فيوسد الأمر لأهله .. و الواقع أن مجرد التعليم مع تدني مستوياته في مصر الآن لا يكفي لإدارة هذه المرحلة و أرى أن لدينا و الحمد لله الكثير من متخصصي كل مجال من مجالات إدارة و سياسة المجتمع لماذا لا يكون الحصر على هؤلاء . و الحقيقة أن الرضوخ لإرادة العامة فيما يريدونه من نظم لإدارة البلاد هي انصياع لرؤية من هو قاصر عن الرؤية أصلاً . 2- أن الديمقراطية ما تلبث و أن تقتصر على نخبة يدعمها رأس المال كما يحدث في أميركا و أروبا .. فمع الوقت يدعم رأس المال من سيحقق له مطالبه و التسهيلات التي يريدها و الذي يكون عادة من نفس الوسط الرأسمالي .. و بالتالي لابد من مراعاة تنقية الشريحة المنتخبة قبل أن يشرع النائب في انتخاب أي فرد منها .. و هذا أمر سيحتاج إلى تدخل مسبق من الدولة في تنقيح هذه الشريحة من شوائب المحاباة المالية أو التي تدفع بالنفوذ إلى هذه الشريحة . 3- لتحقيق هذا النوع من الحكم الذي أعتقد أنه سيصبح شكلا آخر من الحكم لا يمكن ادعاء أنه ديمقراطي بل سيصبح حكم طبقة العلماء من كل الاختصاصات المطلوبة لسياسة البلاد ..و هو في الحقيقة ما ينادي النظام الإسلامي من توكيل كل أمر إلى أهل العلم به .. فكما أن هناك علماء دين هناك علماء بالسياسة و الاقتصاد و الاجتماع و غيرها من فروع الحياة .. و هو نفسه الذي ينادي به من ينادي بالتكنوقراط الحقيقي لا الذي يسيطر عليه رأس المال و السلطة . فلماذا لا يتم طرح وجهة النظر القوية لدكتور يوسف كرؤية تتبناها الدولة تعتمد في أساسها على ضرورة لا يمكن التساهل في تطبيقها لتحسين المستوى التعليمي و الحرفي في البلاد بحيث تكون المرحلة الابتدائية مرحلة فصل بين من يتجه للتعليم الآكاديمي و من يتجه للتعليم الحرفي الذي تم تحقيره في الفترة الماضية.. و هي وجهة نظر و إن كانت تتفق مع الديمقراطية الإجرائية إلا أنها تنقي الشريحة الناخبة و المنتخبة من شوائب الجهل و العاطفية في الاختيار . و الله الموفق و المستعان .

    فبراير 27, 2011 عند 2:21 ص

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s