إن إريد الإصلاح إلا ما استطعت _ تأملات في أحوال الأمة و العالم

الحرية بوصفها فعل أخلاقي

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله

الحرية و قول هند بنت عتبة رضي الله عنها و هي تبايع الرسول صلى الله عليه و سلم مستعجبةً :

أوتزني الحرة؟!!!

 


لا شك سمعت عنها و وقعت عيناك على الحروف التي تتشكل منها لفظتها بأي لغةٍ تقرأ بها .. و لكن هل مارستها بالفعل ؟!!! ..لمعرفة الإجابة لابد من تحديد معنى الحرية لغةً ومفهوماً .

تعريف الحرية  :

لغةً الحرية تدور معانيها حول أنها “العتق من حالة العبودية” ..

أما مفهومها الفكري فقد عرفها قديماً جابر بن حيان بأنها : “ارادة تقدمتها رويّة مع تمييز”1.

وقال أبو حامد الغزالي محمد بن محمد بن محمد بأن :” الحر من يصدر منه الفعل مع الإرادة للفعل على سبيل الاختيار، على العلم بالمراد” .

وعرفها الدكتور زكريا إبراهيم حديثاً بأنها : ” تلك الملكة الخاصة التي تميز الكائن الحر الناطق من حيث هو موجود عاقل يصدر أفعاله عن إرادته هو ، لا عن إرادة أخرى غريبة عنه ، فالحرية بحسب معناها (الاشتقاقي) هي انعدام القسر الخارجي” .

ويرى الشيخ ابو زهرة محمد بن احمد بن مصطفى :”ان الحر حقا هو الشخص الذي تتجلى فيه المعاني الإنسانية العالية، الذي يعلو بنفسه عن سفاسف الأمور، ويتجه إلى معاليها ويضبط نفسه، فلا تنطلق أهواؤه ولا يكون عبداً لشهوة معينة، بل يكون سيد نفسه، فالحر من يبتدئ بالسيادة على نفسه، ومتى ساد نفسه وانضبطت أهواؤه وأحاسيسه يكون حراً بلا ريب “.

و إذا ما اتجهنا إلى الغرب حيث تفلسف جمعٌ غفير ..

نجد كانط يقول : “الحرية عبارة عن استقلال الإنسان عن أي، شي‏ء إلا عن القانون الأخلاقي“..

أما جون لوك فيرى أن الحرية هي : ” القدرة والطاقة اللتان يوظفهما الإنسان لأجل القيام بعمل معين أو تركه‏) .

ويعرفها جون ‏استيوارت ميل‏ بأن الحرية : ” عبارة عن قدرة الانسان على السعي، وراء مصلحته التي يراها، بحسب منظوره، شريطةأن لا تكون، مفضية الى إضرار الاخرين‏ ” .

و بهذا نجد أنّ :

الحرية إرادة يلزمها قدرة على فعل المراد تعمل في إطار المشروع و تقف عند الحدود التي تبدأ عندها حقوق الآخرين و حرياتهم أيضاً.. و متى اخترق الفعل الحر هذه الحدود كان فعلاً سرطانياً .. أما إذا تحركت الإرادة المسؤولة عنه إلى نشره و إعلانه فإنه بذلك يصبح ورماً خبيثاً يجب استئصاله قبل أن يتحول ليصبح الأصل في التشريع . فهي فعل لا ينفكُ بحال عن الأخلاق التي تهذب جموحه و تطاوله إلى ما لا يحق له التعدي على حدوده .

على أي حال هذا ما كان يفهم من معنى الحرية يوماً ما ، أما مايفهم اليوم من هذا المصطلح فلا ينتمي إلى تلك التعريفات إلّا باللفظة ، ذلك أن تعريف الحرية بين عامة خلق الله تعالى اليوم إلّا من رحم ربي عزّ و جلّ هو : “ التحلل من كل قيد ” .. و هذا ما ترسخه الآلة الإعلامية في نفوس النّاس اليوم ..

ومع ذلك فتجد من يتمتعون بحرية كتلك بلا قيد أخلاقي مستعبدون إلى الحد الأقصى لمعنى العبودية .. فذلك التحلل من القيود الشرعية التي تنظم الفعل الغريزي و تهذب الشهوة يؤدي إلى الاستغراق فيهما .. و حينها يكون السيد هو من يملك تلك البضاعة موضوع الغريزة و الشهوة.. فتجد من تضخمت عنده شهوة الجنس عبداً ذليلاً لتاجر هذه السلعة الغريزية ، و كل الإعلانات المشاهدة اليوم إنما تضرب على هذا الوتر ( الغريزة ) ، فالإعلان هو “فن إثارة الغريزة و الشهوة ” .. و كذلك تجد من أسرته شهوة المال و العيال و الجاه و السلطان .

أما ذلك الذي يملك زمام نفسه فيعرف حدوده و يقف عندها فهذا هو الرجل الحر الذي يتمتع بسلطانٍ على إرادته يوجهها مع الشرع و المعروف و يمسكها عن المنكر من الفعل .

و في النهاية الفعل الحر هو فعل أخلاقي مسئول في المقام الأول .. فهي بمعزلٍ عن الأخلاق مجرد كيان أميبي مشوه يخلو من كل جميل .. و ما فرض الشارع الجميل ربُّ العالمين سبحانه ما فرضه من حدودٍ ليقيد ما منحنا إياه من حرية بل ليزين أفعالنا بالأخلاق الكريمة التي تكمل ما نقص من هذه الحرية .

فعبوديتنا للخالق عزّو جلّ هي في صميمها تحرر من ذل عبوديتنا لهوانا و شهواتنا و الأمر كما قال الله تعالى : ” زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17) ” آل عمران .

و الله وحده المستعان .

_____________________________________________________

1 لاحظ أن الروية تحمل معنى الاختيار و المفاضلة بين فعلين و التمييز ينطوي على معرفة عواقب الفعل .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s