إن إريد الإصلاح إلا ما استطعت _ تأملات في أحوال الأمة و العالم

الآخر بين القبول و الرفض

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله

الآخر بين القبول و الرفض

و قوله تعالى : ” لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ “(9) الممتحنة


إلى الآخر :

” عندما أعرض عليكَ أفكاري و عقيدتي فأنا أعطيك عيناي لتطل من نافذتي على مشهد الجدل ، لكنّني إذا ما عرضت ذلك و أنا أنظر من خلال عينيك مراعياً _ لخوفٍ من رفضكَ لي _  زاوية رؤيتك أنت فإن الصورة محل الجدال ستخرج مهزوزة و ذات طبيعة مزدوجة لا تمثل حقيقة ما هي عليه من خلال نافذتي ، و لا يتفق هذا مع غاية الاتصال المثالية التي تهدف إلى تبادل معرفي يؤسس لثقافة تعايش مشتركة ، كما أن الاستغراق في خصوصية العرض تمنحك فرصة حقيقية للقبول أو الرفض ، و ما أستطيع أن أعدكَ أياه هو استخدام لغةٍ نتساوى إلى حد بعيد في فهم مفرداتها و قواعدها هي لغة الفطرة و العقل ” .

 


يولد الإنسان و هو مقيدٌ حتماً بمفهوم الآخر حتى إذا لم يعِ حقيقة ذلك إلا مع ثقافة و خبرة يكتسبها مع مرور الوقت ، فوحدة الإنسان الفرد نفسها منقسمة إلى “أنا “يتفاعل مع العالم المحيط و ” هو ” يؤثر في هذا الأنا و يشترك في تكوين شخصيته ، و هناك الإنسان بوصفه فردا في مقابل الآخرين جميعهم  ” العالم ” ،  و الفرد في مقابل الآخرين في الأسرة ، و الأسرة في مقابل الأسر الأخرى في المجتمع ، و المجتمع في مقابل باقي مجتمعات القرى و المدن الأخرى في الوطن ، و الوطن في مقابل البلدان الأخرى في المنطقة المشتركة ، و المنطقة في مقابل مناطق العالم الأخرى ، و هناك الآخر في اللغة ، و آخر في الدين و المعتقد ، و آخر ثقافي و بيئي ، فخصوصية ” الأنا ” دائما ما يقابلها خصوصية ” الهو ” الذي يخالفه إما خلاف تنوعٍ أو خلاف تضاد في ناحية أو في نواحٍ   متعددة  ، و من خلال التعرف على هذه العلاقة يتضح أن هناك نوعين من الآخر _ و على الخصوص في العقيدة و الثقافة _ آخر بالإمكان دعوته ليكون شريكاً يمكن التفاعل معه و آخر لا يسعني إلا محاربته بكل ما لدي من قوة لأن وجوده يهدد ما  يمثل هويتي بل أحياناً حياتي نفسها .

و لكن من هو الآخر الذي يمكنني قبوله و التفاعل معه و الآخر الذي يجب علي رفضه بل و محاربته أحياناً ؟ ، فلسنا جميعاً منسجمين مستعدين للتعايش بسلام في عالمٍ واحد ، و الحروب التي خاضتها الإنسانية و الصراعات التي دخلت فيها و مازالت إلى الآن برهان يؤكد ذلك ، بل إن مفهوم الخصوصية و الآخر لا يظهر عنيفاً مصحوباً بترويج له على مستوىً واسع إلا مع استعداد كيان ما لتصفية الكيان الذي يراه مناقضاً و خطراً على وجوده ، و لعلك ستذكر معي أيها القاريء العزيز تلك الدعاية الضخمة التي صاحبت كتباً ك “صراع الحضارات ” الذي أصل لحربٍ يخوضها الغرب ضد الإسلام ذلك العدو الأخضر ، و كتاب “نهاية التاريخ ” الذي مجّد من شأن خصوصية العقيدة الليبرالية الديمقراطية بوصفها البديل النهائي للعقائد البشرية جميعها و التطور الأخير لها ، ضارباً عرض الحائط بما لتلك العقائد من خصوصية و حق في الممارسة و مهيئاً المناخ الثقافي العام لرفض أي عقيدة آخرى أو أي نقد يمكن توجيهه إلى الديمقراطية الليبرالية لأنها دين الإنسان الأعلى الذي إن رفض أو استبدل سيكون تخلفاً و رفضاً لقيم المساواة و الحرية و تهديداً للحضارة التي تتبناه تدق لأجله طبول الحروب ، و ما حرب العراق عنا ببعيد ، فهي حرب تبشيرية بحق اتخذت من هذه العقيدة ديناً لابد من نشره و الدعوة له و لو بقوة السلاح ، لقد كان العراق نموذج و على الباقين أن يفهموا مدلول الرسالة :  ” دين واحد لنظام عالمي جديد ” .

أرجو أنك أيها القارئ الكريم ستتفق معيَ إذن أن العالم بوضعه الحالي هو ساحةٌ مهيئة للصراع و الحروب أكثر من كونه مكاناً يمكننا جميعاً أن نتعايش فيه بسلامٍ مراعين لخصوصية بعضنا البعض ، و واقع الأمر أنه صراع تفرضه تلك الطبيعة البشرية التي لم تُهذب بحكمة خالقها عزّ و جلّ و غيّرت ما وضع فيها من فطرةٍ اجتماعية و ضرورة تعاونية ، إنها طبيعة الجشع و الطمع في الحصول على ما أنعم الله سبحانه على كل منا خلافاً للآخر ، إنها من وجهة علم النفس الإنساني طبيعة الحسد و الرغبة في زوال ما اختص به الآخر منه و الحصول عليه ، هذه الطبيعة التي تميز الإنسان بحق عن باقي المخلوقات و لا يشابهها إلا طبيعة إبليس و الفيروسات و الخلايا السرطانية ، فهي طبيعة مرضية لا يمكن لعاقل تحلى ببعض خلقٍ كريم أن يقبلها بوصفها ” آخر ” يجب القبول بوجوده ، و كما نقوم بفطرتنا بمحاربة المرض و إيجاد طرق الوقاية منه لابد لنا من محاربة هذه الطبيعة التي لا ينكر أحد طغيانها على واقع حياتنا الاجتماعية و صراعاتنا الدولية في عالمنا اليوم .

و لكن هل معنى ذلك استحالة التعايش مع الآخر في سلام و قبول خصوصيته ؟ :

إن الآخر الذي تقبل الفطرة السليمة و العقل الرشيد وجوده و خصوصيته هو ذلك الكيان غير المعادي ، و الذي يرحب هو أيضاً بوجودي بجانبه ، و يرغب في التفاعل و العيش معي في سلامٍ و تعاون مع اختلاف العقيدة و الثقافة ، إنه آخر لا يتمنى زوالي لينعم هو بخيراتي و لا شك أن هذا النموذج الإنساني الراقي بحق موجود و إن كان ليس بوفرة النموذج العدواني ، هو نموذج ينبغي على من يتبنّونه تنميته و نشره ، و لا شك أن من يؤمن بصدق في عقيدة معينة تخالف أخرى حتى أولئك الذين لا يؤمنون بأي دين ، إنما آمن بها لاقتناعه بمبادئها و أنها التفسير الصحيح  الذي يجب أن يحتذيه الجميع و يرغب بالتالي في نشرها بين جميع الناس ، و لكن من العقائد من إن تم له هذا الوجود المنتشر بدأ في القضاء على عقائد الآخرين و إبادة معتنقيها و أصحاب هذه العقائد هم أنفسهم أصحاب النموذج العدواني ، و منها ما إن تم له ذلك تعايش مع العقائد الأخرى في سلام وفق عقد اجتماعي يضم هذا التنوع و الاختلاف .

و اسمح لي أيها الآخر الكريم بوصفي مسلماً يؤمن بصحيح عقيدته و صلاحيتها لضم جميع الخصوصيات الأخرى في مجتمعاتها ، أن أدافع عمّا اتهمت به العقيدة الإسلامية السليمة من عدوانية و أنها عقيدة  إبادة و قتل ، فلا ينكر منصف غير مغلول القلب درس التاريخ الإسلامي بحياد أن أصحاب الدين اليهودي و النصارى و غيرهم ما عاشوا بسلام و حرية في ممارسة شعائرهم و عباداتهم و ما أكرهوا أبداً على ترك دينهم في ظل دين آخر مثلما عاشوا في ظل حكم الدين الإسلامي ، و لا أنكر بذلك وجود بعض المتعصبين من الجُهال الذين أساؤوا إلى هذا الدين و رفضوا وجود الآخر و اعتدوا على خصوصياته ، و لكن هذه العصبية و إن ارتدت ثوب الدين هي عصبية جاهلية  و عنصرية يرفضها الدين في أصله ، فقد أمرنا الله تعالى أن نقاتل من يقاتلونا من أهل الكفر  و لا نعتدي لأنه لا يحب المعتدين فقال تعالى : ” وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين (190) ” البقرة ، و قال أيضا سبحانه : ” لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) ” البقرة، كما أوصانا الرسول عليه الصلاة و السلام بأهل الذمة خيراً و تبعه على معاملتهم ببرٍ و إحسان _ ما لم يقاتلونا في الدين أو قاموا بإخراجنا من ديارنا _ خلفاؤه و أصحابه رضي الله عنهم و علماء المسلمين و ولاتهم الصالحين.

فمن خالف ذلك من المسلمين لا ينبغي أن ينسب عمله هذا إلى حكم الله و رسوله الكريم عليه الصلاة و السلام بل ينسب إلى نفسه و حكمه هو .

و على ذلك فلا يجوز قبول الآخر الذي يتمنى زوال وجودي ليعيش هو ، بل الواجب الذي يقتضيه العقل و تدفع إليه الفطرة السليمة هو صده و قتاله ، و إنما يقبل بترحاب ذلك الآخر الذي يجنح إلى السلم و يرجو التعايش و التعاون وفق مبدأ البر و الإحسان .

و الخلاصة

” من حقك أن ترفض أفكاري .. ثقافتي .. عقيدتي .. و تظل مع ذلك باراً بي مقسطاً إليَّ  ، إلّا إذا كان ما أمثله هذا يقتضي ضرورة فناءك ”

و الله المستعان

” الحمد لله .. بل أكثرهم لا يعلمون “

و الصلاة و السلام على النبي الأمي محمد و على آله و أصحابه و من تبع هداه إلى يوم الدين

Advertisements

3 تعليقات

  1. قضية الصراع للتعايش سنة كونية منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها ..
    وقد أخبر الله المؤمنين أنه لو شاء لنصرهم ولكنه امتحان وابتلاء (ولو يشاء لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض )
    والصراع يتحتم وجودي و وجود الآخر ومن هنا ندخل لقضية الآخر ..
    والتي فصلت فيها تفصيلاً لا تعقيب من بعده خصوصاً من مثلي إلى مثلك ..
    في النباح الليبرالي الصحفي يدعو إلى تقبل الآخر بكل علاته ومشاركته كل رذائله حتى عقيدته
    لأن الإسلام (الجديد) يدعونا إلى تقبل الآخر , بعيدين عن المعنى الحقيقي الذي تدعو إليه الشريعة وهو التسامح ..
    في حين أننا مأمورون في الدين المستحدث الذي يريدون فرضه على كل مسلم أن نتقبل الآخر و إذا صفعنا على الخد الأيمن فنعطيه الأيسر لأنه دين تسامح …!!
    والتعايش مع الآخر لا يقتضي الذوبان الكلي في العقيدة و التعامل بحدود الشريعة ..
    فإذا كان تقبل الآخر فرض عين على كل ساكن في الأرض فنحن أيضاً نطالب الآخر ان يتقبل الآخر بكل شيء حتى عقيدته , لكي تعتدل كفتي الميزان , وإلا لماذا فرض علينا دون غيرنا ..

    وانا أتحدث عن تقبل ذلك الذي يريد إبادتي للاستيلاء على خيراتي ..
    وإلا فديننا دين تسامح وتعايش دون ذوبان في العقيدة ولا الشخصية فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعود جاره اليهودي في مرضه ..

    أعتذر للإطالة ولا داعي لها في موضوع ثقيل الوزن كهذا ..
    لا فض فوك ونفع بك الأمة وجعلك من المنافحين عن العقيدة والدين ..

    مارس 14, 2010 عند 8:34 ص

  2. مداخلة من زاوية أخرى عن الصراع القائم بين الأصيل والدخيل
    ” ليس هذا الصراع مصدر خطر بل إنه يدعو للتفاؤل والاطمئنان . ولكن مصدر الخطر وعلامته هي أن يزول هذا الصراع وأن يفقد الناس الإحساس بالفرق بين ماهو إسلامي وماهو غربي .
    إن فقدان الإحساس هو النذير بالخطر لأنه يعني فقدان الإحساس بالذات .
    فالجماعات البشرية إنما تدرك ذاتها من طريقين معاً من طريق وحدتها التي تكونها المفاهيم والتقاليد المشتركة ومن طريق مخالفتها للآخرين التي تنشأ عن المغايرة والمفارقات . ولذلك كان الخطر الذي يتهدد هذه الوحدة يأتيها من طريقين :
    الشعوبية التي تفتنها والعالمية التي تميعها , فزوال الإحساس بالمغايرة والمفارقة هو هدم لأحد الركنين اللذين تقوم عليهما الشخصية ,
    وهذا هو مالايريد أن يكون .
    نريد أن يظل التميز بين ماهو إسلامي وماهو طاريء مستجلب شرقياً كان أو غربياَ حياً في نفوس الأجيال الصاعدة والتالية وهي امانة تلقاها جيلنا عمن قبله ولابد أن يحملها إلى من بعد ” الدكتور محمد حسين

    وأعتذر للإطالة وإذا خرجت ن صلب الموضوع

    مارس 15, 2010 عند 5:45 م

    • بل أنتِ في صميمه ، فنحن لا نمنع الآخرين تمسكاً بهويتهم و عقائدهم التي يرغبون و إن كنا ندعوهم لما نؤمن به من دين نعتقد الحق فيه .. فنحن مع ذلك لا نكرههم عليه ، و إنما قامت حروب الإسلام و جهاد الطلب منذ عهد الرسول عليه الصلاة و السلام لهدفين في الأصل (1) إيصال هذا الحق للناس ليؤمنوا به أو يكفروا و لكن تكون قد قامت حجة الله تعالى عليهم (2) نشر رقعة الحق و توسيعها لتزداد قوة لأن المقابل أن ينتشر الضلال و تضمحل دولة الإسلام فتكون فتنة في الأرض و فساد كبير و هو الحاصل الآن لمّا تخلينا بإرادتنا للأسف عن نشر الدعوة ، و محاولة القوم جذّنا من الجذور بدعوى التحديث و أن الأصولية تخلف و رجعية ، بل و محاولتهم محو بعض آيات الجهاد من القرآن لأنها تدعو إلى العنف ، هو محاولة لطمس ما نمثله من تهديد لكيانهم القائم في أصله على استعباد الناس بشهواتهم و غرائزهم ، فإذا ما انتشر دين يدعوا إلى تهذيب ذلك بكريم الأخلاق و قبلها توحيد رب العالمين بالعبادة الذي هو غاية الخلق و به تنتشر التقوى و الخشية من العقاب على الذنوب ، لفاتهم بذلك ما يقتاتون عليه من إفساد للناس ينعش تجارتهم و يقوي وجودهم ، فنحن إذن الحصن الأخير الذي مازال مع ضعفه قائماً يرفض الانحراف و التغيير .. فإذا ما قطعنا وجودنا هذا عن الجذور و الأصيل بات سهلاً أن نطير كورقة في الهواء مع أي ريح .
      و نحن لا نحارب العالمية و المشاركة مع الآخر فيما هو خير لصالح البشرية و لكننا نعتقد أن ذلك الاشتراك مع الآخر يجب أن يتم من خلال الخصوصية التي تميزني عنه لا بالذوبان فيه .
      شكراً للمرور المُثري و الذي أرجو أن يطول .

      مارس 15, 2010 عند 9:06 م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s