إن إريد الإصلاح إلا ما استطعت _ تأملات في أحوال الأمة و العالم

في أبعاد الزمان و المكان

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله

في أبعاد الزمان و المكان

و قوله تعالى : ” هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ


من المعارف التي تعلمناها منذ الصغر أن للمكان أبعادٌ ثلاثة هي الطول و العرض والارتفاع ، و جاء الفيزيائي الشهير “البرت أينشتين ليثبت الزمان بعدا رابعاً معتبرا ًفي النظام الإحداثي ، إلا أن هذه الأبعاد هي في الواقع أبعاد للصورة التي نراها نحن البشرو ليس لنفس الزمان و المكان في حقيقتهما ، فهذه الأبعاد منسوبة إلينا ، أما الأبعادالحقيقية للزمان و المكان فقد أشار الله عزّ و جلّ إليها في قوله تعالى : ” هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُوَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ الحديد (3) ، فالمكان له بعدان في حقيقته ظاهرو باطن ، و كل مخلوق مهما عظم أو لطف فله هذين البعدين المكانيين ، كذلك لكل مخلوقبعدين زمانيين أول و آخر ، و بشيء من التفصيل :

معظمنا .. أقصد هؤلاء الذين يشغلون بالهم أحياناً بهذا الأمر ، يتصور المكان بوصفه خلفيةفارغة تتموضع فيها الأجسام ، فهو كيان منفصل عن الأجسام و فراغ يُشغل بها ، و لكن معالنظر و التأمل يظهر أن فكرة المكان المطلق المنفصل هذا لا توجد إلا في الذهن أماالواقع فلا وجود فيه إلا للمخلوقات ، فأجسام المخلوقات هي التي تشكل المكان ، و لهذافإن الله سبحانه لا يذكر المكان المخلوق إلا بوصفه السموات و الأرض و ما فيهن ، فلاوجود لفراغ مطلق .. بل خيوط المكان و قماشته و نسيجه و قمصانه ليست إلا المخلوقاتو زمانها يقدر بحسب نظام حركتها .

ذلك أن الزمان مرتبط لزوماً بالحركة و قد تم تعريفه منذ القدم على أنهمقدار حركة الفلك، فما هو ساكن لا زمان له ، و الواقع أنه لا يوجد ما هو ساكن سكوناً مطلقاً ، فالجسم إما متحرك بنفسه أو متحرك بغيره ، و لكل حركة بداية و نهاية .. أول و آخر .

مثال على ذلك المكعب” :

فالصورة التي نراها للمكعب ثلاثية الأبعاد لأنها من منظورنا نحن بني البشر ، أما الأبعاد الحقيقية لهذا المكعب و التي لا يعلمها إلا الله سبحانه و تعالى  الذي “أحاط” بكل شيء علما فهي ظاهره ذو الوجوه السته و باطنه الذي هو عمقه ، فإذا تحرك المكعب فقد بدأ في شغل أبعاد الزمان .

هذا بالنسبة للمخلوقات .. أما الخالق عزّ و جلّ فكما وصفه عليه الصلاة و السلام ” أنت الأول فليس قبلك شيء و أنت الآخر فليس بعدك شيء و أنت الظاهر فليس فوقك شيء و أنت الباطن فليس دونك شيء ” ، فقد أحاط سبحانه بالزمان و المكان ، و حين تنظر في المخلوقات فإنك تجد أن لكل مخلوق أول و آخر في الزمان ، كما أن باطنها مغاير لظاهرها و لكل منهما ( الباطن و الظاهر ) نشاطه و معادلاته الخاصة  .. أما الخالق سبحانه فليس له أول فهو الأول بلا وجود يسبقه فهو سبحانه أزلي الوجود ، كما أنه الآخر فلا وجود بعد وجوده زماناً ، و هنا لطيفة : إذ كيف يقال أنه ليس بعده شيء و كل المخلوقات إنما خلقت و هو موجود سبحانه و تعالى ، فمن هنا نعلم أن هذه الصفات ذاتية لله عز و جل تخصه في نفسه ، و أنه تعالى مباين لزمان مخلوقاته و مكانها .

و ليس في الأية دليل كما يزعم أصحاب الوحدة و الحلول على أن الله تعالى هو نفس المخلوقات أو يحل فيها ، بل العكس فالآية تثبت علوه سبحانه فوق خلقه و مفارقته لهم ، إذ تخبر أن الله تعالى هو الأول فلا يمكن تصور وجود شيء قبله .. (و مع ذلك) هو الآخر : و هذا دليل على أن الله سبحانه لا يشترك معنا حتى في نفس الزمان ، و هو خطأ من الفلاسفة إذ يتصورون وجوداً متصل الزمان بين الخالق سبحانه و مخلوقاته فيرفع الزمان في منزلة أعلى من الخالق سبحانه ، و كأن الزمان قد احتوى الخالق و المخلوق ،  فهذه الإحاطة المحكمة منه سبحانه بالزمان أوله و آخره غير ممكنة فهماً إلا إذا كان مباينا لخلقه مهيمناً عليهم ، فالزمان هو المقدر من نظام حركة مخلوقاته و قد أحاط بهم جميعاً سبحانه و تعالى . و هو الظاهر فليس هناك وجود يفوقه ، فما من شيء إلا و هو فوقه _ فكيف يقال أنه سبحانه يحل فيه ؟!!! _ ، و من باب الأولى فليس فوقه سبحانه و تعالى شيء يحتويه ، و هو الباطن الذي ليس دونه شيء ، و هذا دليل على المفارقة ، فبطانته سبحانه ذاته نفسها لا يخالطها شيء ، و كل شيء مخلوق بطانته غيره و دونه .. و القائلين بالوحدة و الحلول يجعلون الرحمن جل شأنه مخالطاً لكل شيء  .

ثم نبه سبحانه و تعالى أنه بكل شيء بمقتضى هذه الصفات عليم .. فقد أحاط بأوله و آخره و ظاهره و باطنه .

و قد يتبادر إلى ذهن القارئ أنه ما الفائدة و ما علينا من ذلك ؟ ، و الحقيقة أن الإجابة لها ثلاثة أوجه :

1 _ أن شرف العلم من شرف المعلوم ، فالتفكر في أسماء الله و صفاته و العلم بها هو أجل المشاغل و أشرف العلوم  .

2 _ أن من أعظم العبادات هو التفكر في خلق السموات و الأرض و اختلاف الليل و النهار ” المكان و الزمان “

3 _ أن في ذلك _ التفكر في خلق السموات و الأرض و اختلاف الليل و النهار _ متعة لا يدركها إلا من ذاق لذتها .

و يبقى الكلام عن الصواب و الخطأ .

و الله وحده المستعان


Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s