الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله
العالمانية ” العلمانية ” ديانة لا تصلح لقيام مجتمع مدني
مقدمة :
تعريف الدين :
أرجو أن تتفق معيَ قارئي العزيز على تعريف الدِين بأنه : ” مجموع العقائد التي يؤمن بها الإنسان .. و يفعل و يتعامل و يفسر العالم من حوله وفقاً لمنظومتها . ” .. و على هذا الأساس فلا وجود لإنسان بلا دين .. حتى لو كان الإنسان لا يؤمن بأي دين فهذا في ذاته دين لأنه يعتقد أن ما توصل إليه من عدم الإيمان بالديانات الموجودة صحيح ” فهذا اعتقاد في حد ذاته شاء أم أبى ” و هو في أفعاله و معاملاته لا يلتزم إلا بما يراه صحيحاً _ حتى لو رآه غيره خطأً و لا أخلاقي _ و لا شك أنه قد فسر قبل ذلك كله العالم من حوله و وجوده وفقا لما يراه هو صحيحاً .. و يمكن ببساطه أن نقول أن هذا الإنسان دينه ما يراه هو صحيح أي إلهه هواه _ اتفقنا معه أو لم نتفق _ .. الفكرة أن الإنسان لا يخلو من أن يكون له دين يفعل و يتعامل و يفسر العالم من حوله وفقاً لمنظومته .
تعريف العالمانية : يعد مصطلح “العلمانية” من أهم المصطلحات في الخطاب التحليلي الاجتماعي والسياسي والفلسفي الحديث ، لكنه ما يزال مصطلحاً غير محدد المعاني والمعالم والأبعاد.
كلمة “العلمانية” هي ترجمة لكلمة “سيكولاريزم Secularism” الإنجليزية، وهي مشتقة من كلمة لاتينية “سيكولوم Saeculum“، وتعني العالم أو الدنيا و توضع في مقابل الكنيسة، وقد استخدم مصطلح “سيكولارSecular ” لأول مرة مع توقيع صلح وستفاليا(عام 1648م)-الذي أنهى أتون الحروب الدينية المندلعة في أوربا- وبداية ظهور الدولة القومية الحديثة (أي الدولة العلمانية) مشيرًا إلى “علمنة” ممتلكات الكنيسة بمعنى نقلها إلى سلطات غير دينية أي لسلطة الدولة المدنية. وقد اتسع المجال الدلالي للكلمة على يد جون هوليوك (1817-1906م) الذي عرف العلمانية بأنها: “الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية دون التصدي لقضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض ”
و تميز بعض الكتابات بين نوعين: العلمانية الجزئية و العلمانية الشاملة.
1- العلمانية الجزئية: هي رؤية جزئية للواقع لا تتعامل مع الأبعاد الكلية والمعرفية، ومن ثم لا تتسم بالشمول، وتذهب هذه الرؤية إلى وجوب فصل الدين عن عالم السياسة، وربما الاقتصاد وهو ما يُعبر عنه بعبارة “فصل الدين عن الدولة”، ومثل هذه الرؤية الجزئية تلزم الصمت حيال المجالات الأخرى من الحياة، ولا تنكر وجود مطلقات أو كليات أخلاقية أو وجود ميتافيزيقا وما ورائيات، ويمكن تسميتها “العلمانية الأخلاقية” أو “العلمانية الإنسانية”.
2 – العلمانية الشاملة: رؤية شاملة للواقع تحاول بكل صرامة تحييد علاقة الدين و القيم المطلقة والغيبيات بكل مجالات الحياة، ويتفرع عن هذه الرؤية نظريات ترتكز على البعد المادي للكون وأن المعرفة المادية المصدر الوحيد للأخلاق وأن الإنسان يغلب عليه الطابع المادي لا الروحي،ويطلق عليها أيضاً “العلمانية الطبيعية المادية”(نسبة للمادة و الطبيعة).
ويعتبر الفرق بين ما يطلق عليه “العلمانية الجزئية” وما يسمى “العلمانية الشاملة” هو الفرق بين مراحل تاريخية لنفس الرؤية، حيث اتسمت العلمانية بمحدوديتها وانحصارها في المجالين الاقتصادي والسياسي حين كانت هناك بقايا قيم مسيحية إنسانية، ومع التغلغل الشديد للدولة ومؤسساتها في الحياة اليومية للفرد انفردت الدولة العلمانية بتشكيل رؤية شاملة لحياة الإنسان بعيدة عن الغيبيات ، واعتبر بعض الباحثين “العلمانية الشاملة” هي تجلي لما يطلق عليه “هيمنة الدولة على الدين”.
وقياسا على ذلك فلقد مرت العلمانية الشاملة بثلاث مراحل أساسية:
1- مرحلة التحديث: حيث اتسمت هذه المرحلة بسيطرة الفكر النفعي على جوانب الحياة بصورة عامة، فلقد كانت الزيادة المطردة من الإنتاج هي الهدف النهائي من الوجود في الكون، و لذلك ظهرت الدولة القومية العلمانية في الداخل و الاستعمار الأوروبي في الخارج لضمان تحقيق هذه الزيادة الإنتاجية، و استندت هذه المرحلة إلى رؤية فلسفية تؤمن بشكل مطلق بالمادية و تتبنى العلم و التكنولوجيا المنفصلين عن القيمة، و انعكس ذلك على توليد نظريات أخلاقية و مادية تدعو بشكل ما لتنميط الحياة، و تآكل المؤسسات الوسيطة مثل الأسرة.
2 – مرحلة الحداثة: وهي مرحلة انتقالية قصيرة استمرت فيها سيادة الفكر النفعي مع تزايد و تعمق أثاره على كافة أصعده الحياة، فلقد واجهت الدولة القومية تحديات بظهور النزعات الإثنية ، وكذلك أصبحت حركيات السوق (الخالية من القيم) تهدد سيادة الدولة القومية، واستبدل الاستعمار العسكري بأشكال أخرى من الاستعمار السياسي والاقتصادي والثقافي، واتجه السلوك العام نحو الاستهلاكية الشرهة.
3 – مرحلة ما بعد الحداثة: حيث الاستهلاك هو الهدف النهائي من الوجود ومحركه اللذة الخاصة، واتسعت معدلات العولمة لتتضخم مؤسسات الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات غير الحكومية الدولية وتتحول القضايا العالمية من الاستعمار والتحرر إلى قضايا البيئة والإيدز وثورة المعلومات، وتضعف المؤسسات الاجتماعية الوسيطة مثل الاسرة، لتحل محلها تعريفات جديدة للأسرة : رجلان وأطفال- امرأة وطفل- امرأتان وأطفال…)، كل ذلك مستنداً على خلفية من غياب الثوابت المعايير الحاكمة لأخلاقيات المجتمع والتطور التكنولوجي الذي يتيح بدائل لم تكن موجودة من قبل في مجال الهندسية الوراثية.
ورغم خروج مصطلح “علمانية” من رحم التجربة الغربية، إلا أنه انتقل إلى القاموس العربي الإسلامي، مثيرًا للجدل حول دلالاته وأبعاده، والواقع أن الجدل حول مصطلح “العلمانية” في ترجمته العربية يعد إفرازاً طبيعياً لاختلاف الفكر والممارسة العربية الإسلامية عن السائد في البيئة التي انتجت هذا المفهوم، لكن ذلك لم يمنع المفكرين العرب من تقديم إسهاماتهم بشأن تعريف العلمانية.
وتختلف إسهامات المفكرين العرب بشأن تعريف مصطلح “العلمانية” ، على سبيل المثال يرفض المفكر المغربي محمد عابد الجابري تعريف مصطلح العلمانية باعتباره فقط فصل الكنيسة عن الدولة، لعدم ملاءمته للواقع العربي الإسلامي، ويرى استبداله بفكرة الديموقراطية “حفظ حقوق الأفراد والجماعات”، والعقلانية “الممارسة السياسية الرشيدة”.
في حين يرى د.وحيد عبد المجيد الباحث المصري أن العلمانية (في الغرب) ليست أيديولوجية -منهج عمل- وإنما مجرد موقف جزئي يتعلق بالمجالات غير المرتبطة بالشئون الدينية. ويميز د. وحيد بين “العلمانية اللادينية” -التي تنفي الدين لصالح سلطان العقل- وبين “العلمانية” التي نحت منحى وسيطًا، حيث فصلت بين مؤسسات الكنيسة ومؤسسات الدولة مع الحفاظ على حرية الكنائس والمؤسسات الدينية في ممارسة أنشطتها.
وفي المنتصف يجيء د. فؤاد زكريا-أستاذ الفلسفة- الذي يصف العلمانية بأنها الدعوة إلى الفصل بين الدين و السياسة، ملتزماً الصمت إزاء مجالات الحياة الأخرى (الاقتصاد والأدب) وفي ذات الوقت يرفض سيطرة الفكر المادي النفعي، ويضع مقابل المادية “القيم الإنسانية والمعنوية”، حيث يعتبر أن هناك محركات أخرى للإنسان غير الرؤية المادية.
ويقف د. مراد وهبة – أستاذ الفلسفة- و كذلك الكاتب السوري هاشم صالح إلى جانب “العلمانية الشاملة” التي يتحرر فيها الفرد من قيود المطلق والغيبي وتبقى الصورة العقلانية المطلقة لسلوك الفرد، مرتكزًا على العلم والتجربة المادية.
ويتأرجح د. حسن حنفي-المفكر البارز صاحب نظرية “اليسار الإسلامي”- بين العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة ويرى أن العلمانية هي “فصل الكنيسة عن الدولة” كنتاج للتجربة التاريخية الغربية،ويعتبر د.حنفي العلمانية -في مناسبات أخرى- رؤية كاملة للكون تغطي كل مجالات الحياة وتزود الإنسان بمنظومة قيمية ومرجعية شاملة، مما يعطيها قابلية للتطبيق على مستوى العالم.
من جانب آخر، يتحدث د.حسن حنفي عن الجوهر العلماني للإسلام -الذي يراه ديناً علمانياً للأسباب التالية:
1 – النموذج الإسلامي قائم على العلمانية بمعنى غياب الكهنوت، أي بعبارة أخرى المؤسسات الدينية الوسيطة.
2 – الأحكام الشرعية الخمسة [الواجب-المندوب-المحرم-المكروه-المباح] تعبر عن مستويات الفعل الإنساني الطبيعي، وتصف أفعال الإنسان الطبيعية.
3 – الفكر الإنساني العلماني الذي حول بؤرة الوجود من الإله إلى الإنسان وجد متخفٍ في تراثنا القديم عقلاً خالصًا في علوم الحكمة، وتجربة ذوقية في علوم التصوف، وكسلوك عملي في علم أصول الفقه. و يمكن الرد على تصور علمانية الإسلام، بأنه ثمة فصلا ًحتمياً للدين و الكهنوت عن الدولة في كل المجتمعات الإنسانية تقريباً، إلا في المجتمعات الموغلة في البدائية، حيث لا يمكن أن تتوحد المؤسسة الدينية و السياسية في أي مجتمع حضاري مركب. و في الواقع، هذا التمايز مجرد تمايز المجال السياسي عن الديني، لكن تظل القيمة الحاكمة و المرجعية النهائية للمجتمع (و ضمن ذلك مؤسسات صنع القرار) هي القيمة المطلقة (أخلاقية-إنسانية-دينية) و هي مرجعية متجاوزة للدنيا و للرؤية النفعية.
هذا و قد تبلور مؤخراً مفهوم “ما بعد العلمانية” (بالإنجليزية: بوست سيكولاريزم-Post-secularism) و صاغه البروفسير جون كين ،و”ما بعد” هنا تعني في واقع الأمر “نهاية”،و تشير إلى أن النموذج المهيمن قد فقد فعاليته، ولكن النموذج الجديد لم يحل محله بعد، حيث يرى أن العلمانية لم تف بوعودها بشأن الحرية و المساواة (حيث تنتشر العنصرية والجريمة والنسبية الفلسفية) وأخفقت في العالم الثالث (حيث تحالفت الأنظمة العلمانية مع الإستبداد والقوى العسكرية) ولم تؤد إلى الجنة العلمانية الموعودة ، ذلك في حين ظلت المؤسسات الدينية والقيم المطلقة فاعلة على مستوى المجتمع وحياة الناس اليومية، في معظم بلدان العالم الثالث .
الدكتور : عبد الوهاب المسيري رحمه الله
موضوع المقال :
سمها ما شئت عزيزي القارئ عالمانية .. ديمقراطية .. ليبرالية .. صدقني إذا ما قلت لك أنّ منتهى الأمر هو ” أن تكون وحيداً ” .. فليس هناك في هذه النظم و الفلسفات مجتمع متماسك .. أو أسرة متماسكة .. ففي المجتمع الذي يتم فصل الدين فيه عن الدولة و إطلاق الحريات بلا قيد إلا اللمم .. ينشأ دينٌ آخر بالضرورة .. دين غريزي .. دين المنفعة الخاصة .. دين المصلحة الفردية .. و لو أدت مصلحة الفرد إلى فساد المجتمع .. إذ ليس هناك تلك القيم التي تدفع هذا الفرد أن يتعاون مع أخيه من أجل صلاح المجتمع فقيم كتلك لابد من تعلمها بصورة منتظمة و موجهة فيها ترغيب و ترهيب .. و ليس هناك موجّه أعلى يرشده إلى ضرورة أن يكون مصب الفعل الفردي في بحر مصلحة المجتمع بل لعل العكس صحيح فيعمل الإعلام و الميديا الخاضعان للدولة على ترسيخ الفردية و إطلاق الحرية بلا قيد .. فلا يبقى إلا الغريزة و لا ضابط لها الآن مع الحرية .. فالدولة التي تمسك هذا المجتمع لا دين لها و من حقك أن تعتقد ما شئت .. و أن تُكوِن مجموعة على هذا الاعتقاد و تنتخب من يمثلكم و ما تدعون إليه في حكومة الدولة حتى لو خالفت هذه الدعوة كل الأعراف و الأخلاق الفطرية عند الناس .. دين تحل الدولة فيه محل الإله المعبود .. و مع ذلك لابد أن تجمع الدولة هؤلاء الأفراد الذين تفرقوا في دينهم _ كل حزب بما لديهم فرحون _ على دين جديد يجمعهم .. و إلا انقلب السحر على الساحر و تفسخ المجتمع تماما فلا يكون هناك دولة أصلاً .. فتجمعهم على دين الغريزة على ديانة المتعة و ديانة الخوف .. و لابد للدولة العالمانية أن تسعى لتفكيك المجتمع إلى وحدات فردية لأنه لو اجتمع على دين حقيقي منتظم قيمياً ستسقط الدولة اللادينية كما أن التحكم في الفرد أسهل بكثير من التحكم في المجموع .. و لعل بعضنا يذكر قصة الرجل الذي جمع أولاده ليكسروا حزمة الحطب مجتمعة و منفردة ليعلمهم التجمع و التماسك .. نعم ” فرق تسد ” .. فلابد للدولة العالمانية بالضرورة و لضمان بقاءها أن تعزز الحريات الشخصية بل و تدعمها حتى لو ترتب على ذلك فساد اجتماعي كبير .. فيكون الكلام دائماً عن الحقوق لا الواجبات .. فالمهم هو التفكيك ..
نهاية القصد أن العالمانين الداعين إلى فصل الدين عن الدولة _ و الغريب أن ما يطلبونه متحقق لهم بالفعل !!! _ و إلى (المجتمع المدني) يدعوننا إلى دين لا يؤمن بالاجتماع أصلاً و يؤصل للفردية المطلقة و استغلال الفرد كبطارية تعمل لبقاء الدولة اللادينية الحرة .. و الله تعالى وحده المستعان .
و السلام
